فهرس الكتاب
المساكين )) [1] ، وكان يستعيذ من الفقر. ولا يجوز أن يسأل الله شدة الحاجة ويستعيذ من حالة أصلح منها.
ولأن الفقر مشتق من فقر الظهر فعيل بمعنى مفعول أي مفقور وهو الذي نزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه قال الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت... رَفَعَ القوادم كالفقير الأعزل
أي: لم يطق الطيران كالذي انقطع صلبه، والمسكين مفعيل من السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة. ومن كسر صلبه أشد حالًا من الساكن.
إذا ثبت هذا فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعًا من كفايته، ولا له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعًا من كفايته ولا له خمسون درهمًا ولا قيمتها من الذهب مثل الزمنى والمكافيف وهم العميان سموا بذلك؛ لكف أبصارهم لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعًا من كفايتهم وربما لا يقدرون على شيء أصلًا قال الله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة:273] ومعنى قولهم: يقع موقعًا من كفايتهم أنه يحصل به معظم الكفاية أو نصف الكفاية مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من مكسبه أو غيره خمسة فما زاد والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعًا من كفايته كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو ما دونها فهذا هو الفقير والأول هو المسكين فيعطى كل واحد منهما ما تتم به كفايته وتنسد به حاجته؛ لأن المقصود دفعها وإغناء صاحبها ولا يحصل إلا بذلك والذي يسأل ويحصل الكفاية أو معظمها من مسألته فهو من المساكين لكنه يعطى جميع كفايته ويغنى عن السؤال.
مسألة: (والعاملين عليها وهم الجُباةُ والحافظون لها) .
يعني العاملين على الزكاة وهم الصنف الثالث من أصناف الزكاة وهم السعاة الذين
(1) أخرجه الترمذي في جامعه (2352) 4: 577 كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (4126) 2: 1381 كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء.