ومعناه أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء بنو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جدها وهم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جد الجد ثم بنوهم. وعلى هذا لا يلي بنو أب أعلا مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم، وأولى ولد كل أب أقربهم إليه؛ لأن مبنى الولاية على النظر والشفقة وذلك معتبر بمظنته وهي القرابة فأقربهم أشفقهم ولا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال وعم الأم والجد أبي الأم ونحوهم نص عليه أحمد في مواضع وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة؛ لما روي عن علي أنه قال: (( إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى ) ) [1] رواه أبو عبيد في الغريب.
ولأنه ليس من عصباتها فأشبه الأجنبي وإلحاق الخصومة، وهو أن يقول كل واحد من الخصمين: أنا أحق به ونص الشيء غائبه ومنتهاه، فمعنى بلغت نص الحقاق بلغت غاية البلوغ. وقيل: أراد بلوغ العقل والإدراك؛ لأنه منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق. وقيل المراد بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرفها في أمرها تشبيهًا بالحقاق من الإبل جمع حق وحقة وهو الذي دخل في السنة الرابعة وعند ذلك يتمكن من ركوبه وتحمله. ويروى نص الحقائق جمع الحقيقة وهو ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه أو جمع الحقة من الإبل ومنه قولهم فلان حامي الحقيقة إذا حمي ما يجب عليه حمايته.
مسألة: (ثم المولى المنعم ثم أقرب عصبته به) .
لا خلاف في أن المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها أن مولاها يزوجها، ولا في أن العصبة المناسب أولى منه، وذلك لأنه عصبة مولاته يرثها أو يعقل عنها عند عدم عصباتها فكذلك يزوجها وقدّم عليه المناسبون كما قدَّموا عليه في الإرث والعقل، فإن
(1) رواه أبو عبيد في الغريب 2: 141.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7: 120 كتاب النكاح، باب ما جاء في إنكاح اليتيمة.