هذه المسألة تشتمل على ثلاثة أحكام:
الأول: أنه إذا زوجها الأبعد مع حصول الولي الأقرب وإجابته إلى تزويجها من غير إذنه لم يصح وبهذا قال الشافعي؛ لأن هذا حكم يستحق بالتعصيب فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب كالميراث، وبهذا فارق القريب البعيد.
الحكم الثاني: أن هذا العقد يقع فاسدًا لا يقف على الإجازة ولا يصير بالإجازة صحيحًا، وكذلك الحكم إذا زوج الأجنبي أو زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها، أو تزوج العبد بغير إذن سيده فالعقد في هذا كله باطل في أصح الروايتين، نص عليه أحمد في مواضع وبه قال الشافعي.
والرواية الأخرى: أنه يقف على الإجازة فإن أجازه جاز وإن لم يجزه فسد وهذا مذهب أبي حنيفة في كل مسألة يعتبر فيها الإذن؛ لما روي (( أن جارية بكرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي عليه السلام ) ) [1] رواه أبو داود وابن ماجة.
وعن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: (( جاءت فتاة [2] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفَع بي خَسِيسَتَه قال: فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء ) ) [3] رواه ابن ماجة، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة.
ولأنه عقد يقف على الفسخ فوقف على الإجارة كالوصية.
ووجه الرواية الأولى وهي أصح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
(1) أخرجه أبو داود في سننه (2096) 2: 232 كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (1875) 1: 603 كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة.
(2) في الأصل: قتادة. وما أثبتناه من السنن.
(3) أخرجه النسائي في سننه (3269) 6: 86 كتاب النكاح، البكر يزوجها أبوها وهي كارهة.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (1874) 1: 602 كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة.
وأخرجه أحمد في مسنده (24522) طبعة إحياء التراث.