وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: (( أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا. فغضب. ثم قال: أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل. فقال: يا رسول الله! ألا أقتله ) ) [1] .
ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة. فحرم؛ كالظهار، بل هذا أولى؛ لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال.
ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حرامًا أو بحيلة لا تزيل التحريم ووقوع الندم وخسارة الدنيا والآخرة فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أيامًا يسيرة أو الطلاق في طهر مسها فيه الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافًا كثيرة فالتحريم ثم تنبيه على التحريم هاهنا.
ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه عنهم الأثرم وغيره ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم فيكون ذلك إجماعًا.
وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق فإنها وقعت بمجرد لعانهما وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه؛ لأن اللعان يوجب تحريمًا مؤبدًا فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو غيره.
ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها ولا يحصل ذلك [2] بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.
ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها؛ لأن في ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى وموافقة لقول السلف وإبعادًا من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها.
(1) أخرجه النسائي في سننه (3401) 6: 142 كتاب الطلاق، الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ.
(2) زيادة من المغني 8: 242.