ولأنه تكفير بعتق فلم يجز إلا مؤمنة ككفارة القتل والمطلق يحمل على المقيد من جهة القياس إذا وجد المعنى فيه ولا بد من تقييده فإنا أجمعنا على أنه لا يجزئ إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا فالتقييد بالسلامة من الكفر أولى.
الحكم الثالث: أنه لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه وتمكينه من التصرف لنفسه ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بينًا فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع ولا المقعد ولا المقطوع اليدين أو الرجلين؛ لأن اليدين آلة للبطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة للمشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما والشلل كالقطع في هذا ولا يجزئ المجنون جنونًا مطبقًا؛ لأنه وجد فيه المعنيان ذهاب منفعة الجسد وحصول الضرر بالعمل وبهذا كله قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي.
مسألة: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) .
أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة أن فرضه صيام شهرين متتابعين [وذلك لقول الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين] [1] من قبل أن يتماسا} [المجادلة:4] وحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر وأجمعوا على أن من وجد رقبة فاضلة عن حاجته فليس له الانتقال إلى الصيام وإن كانت له رقبة يحتاج إلى خدمتها لزمن أو كبر أو مرض أو عظم خلق ونحوه مما يعجزه عن خدمة نفسه أو يكون ممن لا يخدم نفسه في العادة ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته فليس عليه الإعتاق وبهذا قال الشافعي؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم وإن كان له خادم وهو ممن يخدم نفسه عادة لزمه إعتاقه؛ لأنه فاضل عن حاجته بخلاف من لم تجر عادته بخدمة نفسه فإن عليه مشقة في إعتاق خادمه وتضييعًا لكثير من حوائجه فإن كان له خادم يخدم امرأته وهي ممن عليه إخدامها أو كان له رقيق يتقوت بخراجهم أو دار يسكنها أو عقار يحتاج
(1) ساقط من الأصل واستدركت من المغني 8: 590.