ولأنه تحريم للوطء لا يختص النهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف، وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بوطئه ليلًا ويبني وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها.
ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم الذي قبله من غير فارق وهذا متحقق وإن وطئ ليلًا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين أو لو وطئ ليلة أول الشهرين وأصبح صائمًا والإتيان بالصيام قبل التماس في حق هذه لا سبيل إليه سواء بنى أو استأنف.
وإن وطئها أو وطئ غيرها نهارًا عامدًا أفطر وانقطع التتابع إجماعًا إذا كان غير معذور، وإن وطئها أو وطئ غيرها ناسيًا أفطر وانقطع التتابع في إحدى الروايتين؛ لأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان، والأخرى لا يفطر ولا ينقطع التتابع وهو قول الشافعي؛ لأنه فعل المفطر ناسيًا أشبه ما لو أكل ناسيًا وإن أبيح له الفطر لعذر فوطئ غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع وإن وطئها كان كوطئها ليلًا هل ينقطع التتابع؟ على وجهين. وإن وطئ غيرها ليلًا لم ينقطع التتابع؛ لأن ذلك ليس بمحرم عليه ولا هو مخل باتباع الصوم فلم ينقطع التتابع كالأكل ليلًا، وليس في هذا خلاف، وإن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام وإلا فلا ينقطع.
مسألة: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا) .
أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام أن فرضه إطعام ستين مسكينًا على ما أمر الله في كتابه وجاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع فإن أوس بن الصامت لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام قالت امرأته: (( يا رسول الله إنه شيخ كبير. ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينًا ) ) [1] .
(1) سبق تخريجه ص: 794.