الرحم من الحمل والذي يدل عليه الحيض فوجب أن يكون الاستبراء به. فإن قيل: لا نسلم أن الاستبراء الأمة بالحيضة وإنما هو بالطهر الذي قبل الحيضة كذلك قال ابن عبدالبر وقال قولهم أن استبراء الأمة حيضة بإجماع ليس كما ظنوا بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة واستيقنت أن دمها دم حيض كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين دخل عليه في مناظرته إياه. قلنا: هذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تُوطَأ حامل حتى تَضَع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ) ) [1] .
ولأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم وإنما يحصل بالحيضة لا بالطهر الذي قبلها.
ولأن العدة تتعلق بخروج خارج من الرحم فوجب أن تتعلق بالطهر كوضع الحمل يحققه أن العدة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل فتارة تحصل بوضعه وتارة تحصل بما ينافيه وهو الحيض الذي لا يتصور وجوده معه، وأما قوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1] فيحتمل أنه أراد قبل عدتهن إذ لا يمكن حمله على الطلاق في العدة ضرورة أن الطلاق يسبق العدة لكونه سببها والسبب يتقدم الحكم فلا يوجد الحكم قبله والطلاق في الطهر تطليق قبل العدة إذا كانت الأقراء الحيض.
الحكم الثالث: أن الحيضة التي طلق فيها لا تحتسب من عدتها بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأن الله أمر بثلاثة قروء فتناول ثلاثة كاملة والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة فلا يعتد بها.
ولأن الطلاق إنما حرم في الحيض لما فيه من تطويل العدة عليها فلو احتسبت بتلك الحيضة قرءًا كان أقصر لعدتها وأنفع لها فلم يكن محرمًا ومن قال: القروء الأطهار احتسب لها بالطهر الذي طلقها فيه قرءًا فلو طلقها وقد بقي من قرئها لحظة حسبها قرءًا وهذا قول كل من قال: القروء الأطهار إلا الزهري فإنه قال: تعتد بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلقها فيه.
وحجتنا أن الطلاق حرم في زمن الحيض دفعًا لضرر تطويل العدة عليها فلو لم
(1) أخرجه أبو داود في سننه (2157) 2: 248 كتاب النكاح، باب في وطء السبايا.
وأخرجه أحمد في مسنده (11614) 3: 62.