فصل
وإن غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه بل تجب عليه في زمن غيبته؛ لأنها استحقت النفقة بالتمكين ولم يوجد منها ما يسقطها وإن غاب قبل تمكينها فلا نفقة لها عليه؛ لأنه لم يوجد الموجب لها فإن بذلت التسليم وهو غائب لم تستحق نفقة؛ لأنها بذلته في حال لا يمكنه التسليم فيه لكن إن مضت إلى الحاكم فبذلت التسليم كتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي هو فيه ليستدعيه ويعلمه ذلك فإن سار إليها أو وكل من يسلمها إليه فوصل فتسلمها هو أو نائبه وجبت النفقة حينئذ وإن لم يفعل فرض الحاكم عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن الوصول إليها وتسلمها فيه؛ لأن الزوج امتنع من تسلمها مع إمكان ذلك وبذلها إياه له فلزمته نفقتها كما لو كان حاضرًا وإن كانت الزوجة صغيرة يمكن وطؤها أو مجنونة فسلمت نفسها إليه فتسلمها لزمته نفقتها كالكبيرة وإن لم يتسلمها لمنعها نفسها أو منع أوليائها فلا نفقة عليه وإن غاب الزوج فبذل وليها تسليمها فهو كما لو بذلت المكلفة التسليم فإن وليها يقوم مقامها وإن بذلت هي دون وليها لم يفرض الحاكم النفقة لها؛ لأنه لا حكم لكلامها.
مسألة: (وإذا كانت بهذه الحال التي وصفت وزوجها صبي أجبر وليه على نفقتها من مال الصبي فإن لم يكن له مال فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما) .
يعني إذا كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها فمكنت من نفسها أو بذلت تسليمها ولم تمنع نفسها ولا منعها أولياؤها فعلى زوجها الصبي نفقتها وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: لا نفقة لها وهو قول مالك وحكاه ابن أبي موسى عن أحمد؛ لأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع بها فلم تلزمه نفقتها كما لو كانت غائبة أو صغيرة.
والمذهب الأول؛ لأنها سلمت نفسها تسليمًا صحيحًا فوجبت لها النفقة كما لو كان الزوج كبيرًا.
ولأن الاستمتاع بها ممكن وإنما تعذر من جهة الزوج فهو كما لو تعذر التسلم