كما قدر لبن المصراة بصاع من التمر نفيًا للتنازع في قيمته فلا يوجب هذا أن يرد الأصل إلى التقويم فيفضي إلى عكس حكمة الشرع ووقوع التنازع في قيمة الإبل مع وجوبها بعينها على أن المعتبر في بدلي القرض مساواة المحل المقرض فاعتبر مساواة كل واحد من بدليه له والدية غير معتبرة بقيمة المتلف ولهذا لا تعتبر صفاته وهكذا قول أصحابنا في تقويم البقر والشاء والحلل يجب أن يكون مبلغ الواجب من كل صنف منها اثني عشر ألفًا فتكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهمًا وقيمة كل شاة ستة دراهم لتساوي الأبدل كلها وكل حلة بردان فتكون أربعمائة برد.
مسألة: (وإن كان القتل عمدًا فهي في مال القاتل، حالّةً أرباعًا: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس عشرون جذعة) .
أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة وهذا قضية الأصل وهو أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية على الجاني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يجني جان إلا على نفسه ) ) [1] . وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ولده: (( ابنك هذا؟ قال: نعم. قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ) ) [2] .
ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب أن يختص بضررها كما يختص بنفعها فإنه لو كسبه كان كسبه له دون غيره وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والإكساب. وإنما خولف هذا الأصل في قتل الحر المعذور فيه لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفًا عنه ورفقًا به. والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ.
إذا ثبت هذا فإنها تجب حالة، وبهذا قال مالك والشافعي؛ لأن ما وجب بالعمد المحض كان حالًا كالقصاص وأرش أطراف العبد ولا يشبه شبه العمد؛ لأن القاتل
(1) أخرجه الترمذي في جامعه (2159) 4: 461 كتاب الفتن، باب ما جاء في دماؤكم وأموالكم عليكم حرام.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (4495) 4: 168 كتاب الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه.