أما الحكم في أسنان دية شبه العمد فكالحكم في دية العمد سواء في اختلاف الروايتين فيها واختلاف العلماء، وقد سبق الكلام في ذلك إلا أنها تخالف العمد في أمرين:
أحدها: أنها على العاقلة في ظاهر المذهب وبه قال النخعي والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي.
وقال أبو بكر: هي على القاتل في ماله؛ لأنها موجب فعل قصده فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض.
ولأنها دية مغلظة فأشبهت دية العمد وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك؛ لأن شبه العمد عنده من باب العمد.
ووجه قول الخرقي ما روى أبو هريرة قال: (( اقتتلتِ امرأتان من هُذيل. فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها ) ) [1] متفق عليه.
ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصًا فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ ويخالف العمد المحض؛ لأنه تغليظ من كل وجه لقصده الفعل وإرادته القتل وعمد الخطأ تغليظ من وجه وهو قصده الفعل ويخفف من وجه وهو كونه لم يرد القتل فاقتضى تغليظها من وجه وهو الأسنان وتخفيفها من وجه وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها، ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافًا بين أهل العلم، ويروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وبه قال مالك والشافعي، وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: الدية حالة؛ لأنها بدل متلف ولم ينقل إلينا ذلك عمن يعد خلافه خلافًا وتخالف الدية سائر المتلفات؛ لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم وقد روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعًا.
(1) سبق تخريجه ص: 11.