ولأنها إذا وجبت في قتل الخطأ ففي العمد أولى؛ لأنه أعظم إثمًا وأكبر جرمًا وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم.
ولنا مفهوم قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء:92] ثم ذكر قتل العمد ولم يوجب فيه كفارة وجعل جزاءه جهنم فمفهومه أنه لا كفارة فيه. وروي (( أن [الحارث بن] [1] سويدَ بن الصامت قتلَ رجلًا. فأوجبَ النبي صلى الله عليه وسلم القودَ ولم يوجب كفارة ) ) [2] .
ولأنه فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة كزنا المحصن، وحديث واثلة يحتمل أنه كان خطأ وسماه موجبًا، أي فوّت النفس بالقتل، ويحتمل أنه كان شبه عمد، ويحتمل أنه كان شبه عمد، ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعًا ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق، وما ذكروه من المعنى لا يصح؛ لأنها وجبت في الخطأ فتمحوا إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين العمد الموجب للقصاص وما لا قصاص فيه كقتل الوالد ولده والسيد عبده والحر العبد والمسلم الكافر؛ لأن هذا من أنواع العمد.
وتجب الكفارة في شبه العمد، قال صاحب المغني: ولم أعلم لأصحابنا فيه قولًا لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه؛ لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص وحمل العاقلة ديته وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة.
ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئًا من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة لحمل من الدية لئلا يخلوا القاتل عن وجوب شيء أصلًا ولم يرد الشرع بهذا.
فصل
وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص الكتاب سواء كان القاتل أو المقتول مسلمًا أو كافرًا فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته أو يجد ثمنها فاضلًا عن كفايته فصيام
(1) زيادة من الطبقات الكبرى.
(2) انظر القصة في الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 552-553، والسيرة لابن هشام 3: 89.