ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم يسمع كسائر الدعاوى، وأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا لو ثبت بقوله فرجع كف عنه وإن ثبت ببينة لم يقبل رجوعه.
الحكم الثاني: أنه إذا ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به وخلي سبيله ولا يكلف الإقرار بما نسب إليه؛ لقوله عليه السلام: (( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ) [1] متفق عليه.
ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحته ردته، وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معًا، وأما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده ومن أقر برسالة محمد عليه السلام وأنكر كونه مبعوثًا إلى العالمين لا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمدًا رسول الله إلى الخلق أجمعين أو يتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الإسلام وإن زعم أن محمدًا رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الإقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله؛ لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده، وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين؛ لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقده، وكذلك إن جحد نبيًا أو آية من كتاب الله أو كتابًا من كتبه أو ملكًا من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله، أو استباح محرمًا فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده. وأما الكافر بجحد الدين من أصله إذا شهد أن محمدًا رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان:
أحدهما: يحكم بإسلامه؛ لأنه روي (( أن يهوديًا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله
(1) سبق تخريجه ص: 151.