عن النبي عليه السلام موافقة لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عامًا في قول جمهور العلماء روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وبه قال أبي وأبو ذر وابن مسعود وابن عمر وبه قال الشافعي وإسحاق. وقال مالك: يغرّب الرجل دون المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة.
ولأنها إما أن تغرّب بمحرم أو بغير محرم، لا يجوز التغريب بغير محرم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحلُ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر أن تُسافرَ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إلا مع ذي محرم ) ) [1] .
ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجوز وتضييع لها، وإن غربت بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لا ذنب له وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل. والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة، والعام يجوز تخصيصه؛ لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فإنه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمته؛ لأن الحد وجب زجرًا عن الزنا [2] وفي تغريبها إغراء به وتمكين منه مع أنه في حق الثيب قد يخصص بإسقاط الجلد في قول الأكثرين فتخصيصه هاهنا أولى.
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لأن عليًا قال: (( حسبُهما من الفتنة أن يُنْفَيَا ) ) [3] .
وعن عمر (( أنه غرَّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أُغرِّبُ مسلمًا بعد هذا أبدًا ) ) [4] .
ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فإيجاب التغريب زيادة على النص.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1038) 1: 369 أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1339) 2: 977 كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.
(2) في الأصل: الزاني، وما أثبتناه من المغني 10: 134.
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13327) 7: 315 كتاب الطلاق، باب النفي.
(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13320) 7: 314 الموضع السابق.