فهرس الكتاب
وقال النبي عليه السلام: (( إن الله حرمَ مكةَ يوم خلقَ السمواتِ والأرض، وإنما أُحلّتْ لي ساعةً من نهار ثم عادتْ إلى حرمتِها. فلا يُسفك فيها دم ) ) [1] متفق عليهما.
فالحجة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدًا.
الثاني: قوله: (( إنما أُحلّتْ لي ساعةً من نهار ثم عادتْ حرمتها ) )ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به فيه بقوله: (( فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ) ). وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل فإنه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبيَّن أنها له على الخصوص. وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع.
وأما جلد الزاني وقطع السارق والأمر بالقصاص فإنما هو مطلق في الأمكنة والأزمنة فإنه يتناول مكانًا غير معين، ضرورة أنه لا بد من مكان، فيمكن إقامته في مكان غير الحرم. ثم لو كان عامًا فإن ما رويناه خاص يخص به [2] مع أنه قد خص ما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فيؤخّر الحد عنه، ويؤخر قتل الحامل. فجاز أن يخص أيضًا بما ذكرناه. والقياس على الكلب العقور غير صحيح فإن ذلك طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، أما الأذى فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض. فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1737) 2: 651 كتاب الحج، باب لا يحل القتال بمكة.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1353) 2: 986 كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها...
(2) في الأصل: بحضرته، وما أثبتناه من المغني 10: 237.