فهرس الكتاب
وروي ذلك عن رببيعة وداود وهذا شذوذ يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقول أبي بكر وعمر وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق: (( إذا سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرقَ فاقطعوا رجلَه ) ) [1] .
ولأنه في المحارية الموجبة قطع عضوين إنما تقطع يده ورجله ولا تقطع يداه فنقول: جناية أوجبت قطع عضوين فكانا يدًا ورجلًا كالمحاربة.
ولأن قطع يديه يفوت منفعة الجنس فلا تبقى له يد يأكل بها ولا يتوضأ ولا يستطيب ولا يدفع عن نفسه فيصير كالهالك فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى.
وأما الآية فالمراد بها [2] قطع يد كل واحد منهما بدليل أنه لا تقطع اليدان في المرة الأولى وفي قراءة عبدالله"فاقطعوا أيمانهما"وإنما ذكر بلفظ الجمع؛ لأن المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم:4] .
إذا ثبت هذا فإنه تقطع رجله اليسرى؛ لقول الله تعالى: {أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف} [المائدة:33] .
ولأن قطع اليسرى أرفق به؛ لأنه يمكنه المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال، وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول أكثر أهل العلم، وفعل ذلك عمر. وكان علي يقطع من نصف القدم من معقد الشراك ويدع له عقبًا يمشي عليها وهو قول أبي ثور.
ولنا أنه أحد العضوين المقطوعين في السرقة فيقطع من المفصل كاليد وإذا قطع حسم وهو أن يغلى الزيت فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق؛ لئلا ينزف الدم فيموت. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال: (( اقطعوهُ
(1) سيأتي تخريجه ص: 206.
(2) في الأصل: به، وما أثبتناه من المغني 10: 265.