الحال الخامس: إذا تابوا قبل القدرة عليهم ويأتي حكمهما إن شاء الله تعالى.
مسألة: (ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله) .
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي؛ لقوله عليه السلام: (( لا قطعَ إلا في ربع دينار ) ) [1] ولم يفصل.
ولأن هذه جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد كالقتل يغلظ بالانحتام كذا هاهنا تتغلظ بقطع الرجل معها ولا تتغلظ بما دون النصاب، وإن أخذوا ما يبلغ نصابًا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا قطعوا على قياس قولنا [في السرقة] [2] ويشترط أن لا تكون لهم شبهة فيما يأخذونه من المال على ما ذكرنا من المسروق.
مسألة: (ونفيهم أن يشردوا فلا يتركون يأوون [3] في بلد) .
أما المحاربين إذا خافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا فإنهم ينفون من الأرض؛ لقول الله: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة:33] ويروى عن ابن عباس أن النفي يكون في هذه الحالة وهو قول النخعي وقتادة، والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان فلا يتركون يأوون بلدًا ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد معناها أن نفيهم طلب الإمام لهم فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم.
ووجه الأولى ظاهر الآية فإن النفي الطرد والإبعاد ولم يذكر أصحابنا قدر مدة نفيهم فيحتمل أن تتقدر مدته بما تظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ويحتمل أن ينفوا عامًا كنفي الزاني.
مسألة: (فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى لهم عنها) .
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي ولا نعلم في هذا خلافًا. والأصل
(1) سبق تخريجه ص: 200.
(2) زيادة من المغني 10: 313.
(3) في الأصل: فلا يأوون، وما أثبتناه من المغني 10: 313.