الله وكَّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإن الله يتولى قبض أرواحهم. ويُغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين )) [1] .
ولأن البحر أعظم خطرًا ومشقة. فإنه بيْن خطر العدو وخطر الغرق. ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه. فكان أفضل من غيره.
مسألة: (ويغزا مع كل بر وفاجر) .
يعني مع كل إمام؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًا كان أو فاجرًا ) ) [2] رواه أبو داود.
ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفار. وفيه فساد عظيم.
قال الله تعالى: {ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة:251] .
مسألة: (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو) .
والأصل في هذا قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة:123] .
ولأن الأقربَ أكثرُ ضررًا وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل [3] له وعمن وراءه. والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين؛ لاشتغالهم عنه.
قيل لأحمد: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له: تركت قتال العدو عندك وجئت إلى هاهنا؟ قال: هؤلاء أهل كتاب. فقال أبو عبدالله: سبحان الله! ما أدري ما هذا القول؟ يترك العدو عنده ويجيء إلى هاهنا فيكون هذا أو يستقيم هذا وقد قال الله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة:123] لو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد.
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه (2778) 2: 928 كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (2533) 3: 18 كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور.
(3) في الأصل: المقاتل. وما أثبتناه من المغني 10: 373.