بقوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب [1] حتى يعطوا الجزية} [التوبة:29] ، والمجوس بقوله عليه السلام: (( سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب ) ) [2] فمن عداهما يبقى على مقتضى العموم.
ولأن الصحابة توقفوا في أخذ الجزية من المجوس ولم يأخذ عمر منهم الجزية حتى روى له عبدالرحمن بن عوف أن النبي عليه السلام قال: (( سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب ) ) [3] وثبت عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. وهذا يدل على أنهم لم يقبلوا الجزية ممن سواهم فإنهم توقفوا فيمن له شبهة كتاب ففيمن لا شبهة له أولى. ثم أخذوا الجزية منهم للخبر المختص بهم فيدل على أنهم لم يأخذوها من غيرهم.
ولأن قوله عليه السلام: (( سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب ) ) [4] يدل على اختصاص أهل الكتاب ببذل الجزية إذ لو كان عامًا في جميع الكفار لم يخص أهل الكتاب بإضافتها إليهم.
ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله ولجميع كتبه ورسله ولم يكن لهم شبهة فلم يقروا ببذل الجزية؛ كقريش وعبدة الأوثان من العرب.
ولأن تغليظ الكفر له أثر في تحتم القتل وكونه لا يقر بالجزية بدليل المرتد.
وأما المجوس فإن لهم شبهة كتاب والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يبنى على الاحتياط فحرمت دماؤهم للشبهة ولم يثبت حل نسائهم وذبائحهم؛ لأن الحل لا يثبت بالشبهة.
ولأن الشبهة لما اقتضت تحريم دمائهم اقتضت تحريم ذبائحهم ونسائهم ليثبت التحريم في المواضع كلها تغليبًا له على الإباحة، ولا نسلم أنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق.
مسألة: (وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقلّ منهم والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه فلا يمكنهم
(1) في الأصل: من أهل الكتاب.
(2) سبق قريبًا.
(3) مثل السابق.
(4) مثل السابق.