وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات، على الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا. وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز أن تختلف.
ولأنها عوض فلم تتقدر كالأجرة.
والثالثة: أن أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر، وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقص منه، وروي أنه زاد على ثمانية وأربعين فجعلها خمسين.
الفصل الثاني: أننا إذا قلنا بالرواية الأولى وأنها مقدرة فقدرها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهمًا، وفي حق المتوسط أربعة وعشرون، وفي حق الفقير اثنا عشر وهذا قول أبي حنيفة؛ لحديث عمر وهو حديث لا شك في صحته وشهرته بين الصحابة وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خلاف فيه وعمل به من بعده من الخلفاء فصار إجماعًا لا يجوز الخطأ عليه.
وحد اليسار في حقهم ما عدّه الناس غنى في العادة وليس بمقدر؛ لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف.
مسألة: (ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة) .
لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي. قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيره خلافهم.
وقد دل على صحة هذا: أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد (( أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي ) ) [1] رواه
(1) أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن أسلم عن عمر رضي الله عنه (( أنه كتب إلى أمراء أهل الجزية أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي قال: وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان ) )9: 198 كتاب الجزية، باب من يرفع عنه الجزية.
وأخرج أبو عبيد في الأموال عن قتادة عن أبي مجلز (( أن عمر بعث عمار بن ياسر، وعبدالله بن مسعود، وعثمان بن حنيف إلى أهل الكوفة، فوضع عثمان على أهل الرؤوس: على كل رجل أربعة وعشرين درهمًا كل سنة وعطل من ذلك النساء والصبيان. ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه ) ) (102) ص: 42 كتاب سنن الفيء، باب فرض الجزية.