ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيرًا أو له مال غير زكوي كالدور وثياب البذلة وعبيد الخدمة لا شيء عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ولا تؤخذ مما لم يبلغ نصابًا وأما مصرف المأخوذ منهم، فاختار القاضي أن مصرفه مصرف الفيء؛ لأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة.
وقال أبو الخطاب: مصرفه مصرف أهل الصدقات؛ لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها. والأول أقيس وأصح؛ لأن معنى الشيء أخص به من اسمه ولهذا لو سمى رجل أسدًا أو نمرًا أو أسود أو أحمر لم يصر له حكم المسمى بذلك.
ولأن هذا لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) ) [1] .
مسألة: (ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم في إحدى الروايتين عن أبي عبدالله رضي الله عنه، والرواية الأخرى تؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم) .
اختلفت الرواية عن أبي عبدالله في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم فعنه لا يحل ذلك، وهو قول علي بن أبي طالب ومذهب الشافعي ولم يبح الشافعي ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم.
وقال علي: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر.
ولأنه يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل فلم يحل ذلك منهم.
والرواية الثانية: تحل ذبائحهم ونساؤهم وهذا الصحيح عن أحمد رواه الجماعة عنه، وكان آخر الروايتين عنه.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (4090) 4: 1580 كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع.
وأخرجه مسلم في صحيحه (19) 1: 50 كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.