وهذه غير منعقدة فلا حل لها. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ) ) [1] يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله. قاله ابن المنذر.
مسألة: (والكفارة إنما تلزم من حلف وهو يريد عقد اليمين) .
أما ما يجري على لسانه من اليمين في عرض حديثه من غير قصد إليها فلا كفارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين.
نقل عبدالله عن أبيه أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف فلا يعقد قلبه على شيء، وممن قال: إن لغو اليمين ما لا يعقد عليه قلبه عمر وعائشة، وبه قال الشافعي؛ لما روي عن عطاء قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يعني اللغو في اليمين: هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله ) ) [2] رواه البخاري.
وروى الزهري أن عروة حدثه عن عائشة قالت: أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة: كل يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة.
ولأن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود عليه وهذا كذلك، وممن قال لا كفارة في هذا ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين ولا نعلم في هذا خلافًا وذلك لقول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89] فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفي المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة.
(1) سبق تخريجه ص: 429.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (6286) 6: 2454 كتاب الأيمان، باب {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} .