أما إذا أخرج النذر مخرج اليمين بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئًا أو يحث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا فلله عليّ الحج، أو صدقة مالي، أو صوم سنة فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج والغضب، ولا يتعين عليه الوفاء به وإنما يلزم نذر التبرر. وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى، وهذا قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة، وبه قال الشافعي.
وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج.
وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره؛ لأنه نذر فيلزمه الوفاء به كنذر التبرر.
ولنا ما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا نذر في غضب وكفارته كفارة اليمين ) ) [1] رواه سعيد بن منصور والجوزجاني في المترجم.
وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من حلف بالمشي، أو الهدي، أو جَعْل ماله في سبيل الله، أو في المساكين، أو في رتاج الكعبة، فكفارته كفارة اليمين ) ) [2] .
ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم.
ولأنه يمين فيدخل في عموم قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89] .
ودليل أنه يمين: أنه يسمى بذلك ويسمى قائله حالفًا. وفارق نذر التبرر لكونه قصد به التقرب إلى الله تعالى والبر ولم يخرجه مخرج اليمين، وهاهنا خرج مخرج اليمين ولم يقصد به قربة ولا برًا فأشبه اليمين من وجه والنذر من وجه فخير بين الوفاء به وبين الكفارة.
وعن أحمد رواية ثالثة: أنه تتعين الكفارة ولا يحرم الوفاء بنذره، وهو قول لبعض أصحاب الشافعي؛ لأنه يمين، والأول أولى؛ لأنه إنما التزم فعل ما نذره فلا يلزمه أكثر
(1) أخرجه النسائي في سننه (3846) 7: 4 كتاب الأيمان والنذور، كفاره النذر.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 70 كتاب الأيمان، باب من جعل فيه كفارة يمين.
(2) أخرجه الدارقطني في سننه (4) 4: 159 كتاب النذور.