فهرس الكتاب
هذا قول مالك.
وقال الشافعي: لا يحنث إلا أن ينوي بيمينه أن لا يستنيب في فعله أو يكون ممن لم تجر عادته بمباشرته؛ لأن إطلاق إضافة الفعل تقتضي مباشرته بدليل أنه لو وكله في البيع لم يجز للوكيل توكيل غيره، وإن حلف لا يبيع ولا يضرب فأمر من فعله فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه لم يحنث وإن كان ممن لا يتولاه كالسلطان ففيه قولان. وإن حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه فقيل له: فيه قولان، وقيل: يحنث قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن حلف لا يبيع فوكل من باع لم يحنث، وإن حلف لا يضرب ولا يتزوج فوكل من فعله حنث.
ولنا: أن الفعل يطلق على من وكل فيه وأمر به فيحنث به كما لو كان ممن لا يتولاه بنفسه، وكما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه أو لا يضرب فوكل من ضرب عند أبي حنيفة وقد قال الله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة:196] ، وقال: {محلقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح:27] وكان هذا متناولًا للاستنابة فيه.
ولأن المحلوف عليه وجد من نائبه [فحنث به] [1] كما لو حلف لا يدخل دارًا فأمر من حمله إليها، وقولهم إن إضافة الفعل إليه تقتضي المباشرة نمنعه ولا نسلم أنه إذا وكل في فعل يمتنع على الوكيل التوكيل فيه وإن سلمنا فلأن التوكيل يقصد فيه الأمانة والحذق والناس يختلفون فيهما فإذا عين واحدًا لم تجز مخالفة تعيينه بخلاف اليمين، وأما إن نوى بيمينه المباشرة للمحلوف عليه أو كان سبب يمينه يقتضيها أو قرينة حاله تخصص بها؛ لأن إطلاقه تقيد بنيته أو بما دل عليها فأشبه ما لو صرح به بلفظه، وإن حلف ليشترين أو ليبيعن أو ليضربن فوكل من فعل ذلك بر؛ لما ذكرنا في طرف النفي ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رحم الله المحلقين ) ) [2] تناول من حلق بأمره.
(1) زيادة من المغني 11: 240.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (1640) 2: 616 كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1301) 2: 945 كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير.