ومنها أن يريد بالخاص العام مثل: أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش ينوي قطع ما له فيه منة، أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور، أو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها يريد قطع منتها به فيتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه مما لها فيه منة عليه. وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه؛ لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين، واليمين لفظه، فلو أحنثناه على ما سواه لأحنثناه على ما نوى لا على ما حلف.
ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفها.
ولنا أنه نوى بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه فينصرف يمينه إليه كالمعاريض وبيان احتمال اللفظ أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام. قال الله تعالى: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] ، {ولا يظلمون فتيلا} [النساء:49] ، {فإذًا لا يؤتون الناس نقيرا} [النساء:53] والقطمير: لفافة النواة، والفتيل: ما في شقها، والنقير: النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفي كل شيء.
وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} يعني رجلًا واحدًا {إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران:173] يعني أبا سفيان. وقال: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف:25] ولم يرد السماء ولا الأرض ولا مساكنهم وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه؛ لقول النبي عليه السلام: (( إنما لامرئ ما نوى ) ) [1] .
ولأن كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره.
وقولهم أن الحنث مخالفة ما عقد اليمين عليه.
قلنا: وهذا كذلك فإن اليمين إنما انعقدت على ما نواه ولفظه مصروف إليه، وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله.
مسألة: (فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1) 1: 3 بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1907) 3: 1515 كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنية ) ).