الجميع فلا يكون ممتثلًا ولا بارًا إلا بترك الجميع وفاعل البعض ما فعل الجميع ولا ترك الجميع فلا يكون ممتثلًا للأمر ولا النهي ولا بارًا في الحلف على الفعل والترك.
والرواية الثانية: لا يحنث إلا بأن يدخل كله. قال أحمد في رواية صالح وحنبل فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها، ألا ترى أن عوف بن مالك قال: كلي أو بعضي؛ لأن الكل لا يكون بعضًا والبعض لا يكون كلًا. وهذا اختيار أبي الخطاب في مذهب أبي حنيفة والشافعي. وهكذا كل شيء حلف أن لا يفعله ففعل بعضه لا يحنث حتى يفعله كله؛ (( لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله وهي حائض ) ) [1] ، والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد، والحائض ممنوعة من اللبث فيه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: (( إني لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها ) ) [2] .
ولأن يمينه تعلقت بالجميع فلم تنحل بالبعض كالإثبات وهذا الخلاف في اليمين المطلقة فأما إن نوى الجميع أو البعض فيمينه على ما نوى، وكذلك إن اقترنت به قرينة تقتضي أحد الأمرين تعلقت يمينه به فلو قال: والله لا شربت ماء هذا النهر أو البركة تعلقت يمينه ببعضه وجهًا واحدًا؛ لأن فعل الجميع ممتنع فلا ينصرف يمينه إليه، وكذلك لو قال: والله لا آكل الخبز ولا أشرب الماء وما أشبهه مما علق على اسم جنس أو علقه على اسم جمع؛ كالمسلمين والمشركين والفقراء والمساكين فإنه يحنث بالبعض. وبهذا قال أبو حنيفة وسلّمه أصحاب الشافعي في اسم الجنس دون الجمع، وإن علقه على اسم جنس مضاف كماء النهر حنث أيضًا بفعل البعض إذا كان مما لا يمكن شربه كله، وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والآخر لا يحنث؛ لأن لفظه يقتضي
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (295) 1: 115 كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض.
وأخرجه مسلم في صحيحه (297) 1: 244 كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله...
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (4426) 4: 1738 كتاب تفسير القرآن، باب: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم} .