ولا يبر حتى يضربه ضربًا يؤلمه، وبهذا قال مالك.
وقال الشافعي: يبر بما لم يؤلم؛ لأنه يتناوله الاسم فوقع البر به كالمؤلم.
ولنا أن هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا هاهنا.
مسألة: (ولو حلف ألا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولًا حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه) .
أكثر أصحابنا على هذا وهو مذهب مالك والشافعي، وقد روى الأثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف أن لا يكلم رجلًا فكتب إليه كتابًا قال: وأي شيء كان سبب ذلك؟ إنما ينظر إلى سبب يمينه ولم حلف أن الكتاب قد يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته، وإن لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول؛ لأن ذلك ليس بتكليم في الحقيقة ولهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته وإنما كاتبته أو راسلته، ولذلك قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} [البقرة:253] ، وقال: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف:144] ، وقال: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء:164] ولو كانت الرسالة تكليمًا لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه، وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي: لقد كان فيه أنس وما كلمته قط ولقد كانت بيننا مراسلة، وممن قال لا يحنث بهذا أبو حنيفة والشافعي في الجديد واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا} [الشورى:51] فاستثنى الرسول من التكليم، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
ولأنه وضع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب، والصحيح أن هذا ليس بتكليم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الأخرى: {ءايتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران:41] والرمز ليس بتكليم لكن إن نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث لذلك، ولذلك قال أحمد: إن الكتاب يجري مجرى الكلام