فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 2430

ظاهر المذهب: أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها. هذا قول شريح ومالك ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي.

وعن أحمد رواية أخرى: يجوز ذلك وهو قول أبي يوسف، والقول الثاني للشافعي واختيار المزني؛ (( لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف ) ) [1] ، فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها.

وروى ابن عبدالبر في كتابه: أن عروة ومجاهدًا رويا (( أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدًا في موضع كذا وكذا. فقال عمر: إني لأعلمُ الناس بذلك وربما لعبتُ أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأْتني بأبي سفيان. فأتاه به. فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان! خذْ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا. فقال: والله لا أفعل. فقال: والله! لتفعلن. فقال: والله لا أفعل. فعلاه بالدرّة وقال: خذه لا أمَّ لك فضعه هاهنا، فإنك ما علمت قديم الظلم. فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر. ثم إن عمر استقبل القبلة فقال: اللهم! لكَ الحمدُ حيث لم تُمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام. قال: فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال: اللهم! لك الحمد إذ لم تُمتني حتى جعلتَ في قلبي من الإسلام ما أَذِلُّ به لعمر ) ). قالوا: فحكم بعلمه.

ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن. فما تحققه وقطع به كان أولى.

ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسًا عليه.

وقال أبو حنيفة: ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه؛ لأن حقوق الله مبنية

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (5049) 5: 48 كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1714) 3: 1338 كتاب الأقضية، باب قضية هند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت