على المساهلة والمسامحة. وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به وما علمه في ولايته حكم به؛ لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه ) ) [1] .
فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي: (( شاهداكَ أو يمينه. ليس لكَ منه إلا ذاك ) ) [2] .
وروي عن عمر (( أنه تَداعَى عنده رجلان. فقال له أحدهما: أنت شاهدي. فقال: إن شئتما شهدتُ ولم أحكُم، أو أحكُم ولا أشهد ) ) [3] .
وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (( لو رأيت حدًا على رجل لم أحُدَّه حتى تقوم البينة ) ).
ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه.
وأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه؛ لأنه فتيا لا حكم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره ولو كان حكمًا عليه لم يحكم عليه في غيبته. وحديث عمر الذي رووه كان إنكارًا لمنكر رآه، لا حُكم، بدليل أنه ما وجدت منهما دعوى وإنكار بشروطهما، ودليل ذلك ما رويناه عنه، ثم لو كان حُكمًا كان معارضًا بما رويناه عنه. ويفارق الحكم بالشاهدين فإنه لا يفضي إلى تهمة بخلاف مسألتنا.
وأما الجرح والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما وإذا لم يعمل بعلمه احتاج
(1) سيأتي تخريجه ص: 548.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه (139) 1: 123 كتاب الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (21924) 4: 445 كتاب البيوع، الرجل يدعي شهادة القاضي أو الوالي.