أما الشهادة لا تجوز إلا بما علمه بدليل قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف:86] ، وقوله: {ولا تقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولًا} [الإسراء:36] .
وتخصيصه لهذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر.
ولأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع. وروي عن ابن عباس قال: (( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة. قال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهدْ أو دَعْ ) ) [1] رواه الخلال في الجامع بإسناده.
إذا ثبت هذا فإن مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان الرؤية والسماع وما عداهما من مدارك العلم؛ كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب.
وأما ما يقع بالرؤية فالأفعال؛ كالغصب والإتلاف والزنا وشرب الخمر وسائر الأفعال، وكذلك الصفات المرئية؛ كالعيوب في المبيع ونحوها فهذه لا تتحمل الشهادة فيه إلا بالرؤية؛ لأنه تمكن الشهادة عليه قطعًا فلا يرجع إلى غير ذلك.
وأما السماع فنوعان:
أحدهما: من المشهود عليه مثل العقود؛ كالبيع والإجارة وغيرهما من الأقوال فيحتاج إلى أن يسمع كلام المتعاقدين يقينًا ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما. وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة ومالك، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه؛ لأن الأصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط.
ولنا أنه عرف المشهود عليه يقينًا فجازت شهادته عليه كما لو رآه. وجواز اشتباه
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 156 كتاب الشهادات، باب التحفظ في الشهادة والعلم بها. نحوه.
وأخرجه الحاكم في مستدركه (7045) 4: 110 كتاب الأحكام.
قال ابن حجر: [أخرجه] العقيلي والحاكم وأبو نعيم في الحلية وابن عدي والبيهقي من حديث طاووس عن ابن عباس، وصححه الحاكم، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه. تلخيص الحبير 4: 198.