فإن قيل: يمكنه العلم [1] في هذه الأشياء بمشاهدة السبب؟
قلنا: وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببًا يقينًا فإنه يجوز أن يشتري ما ليس بملك للبائع ويصطاد صيدًا صاده غيره ثم انفلت منه [2] وإن تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة في الوقف باللفظ لا يصح؛ لأن الشهادة ليست بالعقود هاهنا وإنما يشهد بالوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك؛ لأنها مترتبة على الملك فوجب أن تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك. قال مالك: ليس عندنا من شهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على السماع.
إذا ثبت هذا فكلام أحمد والخرقي يقتضي: أن لا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم؛ لقول الخرقي: ما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في القلب يعني حصل العلم به. وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي أن يسمع من اثنين عدلين ويسكن قلبه إلى خبرهما؛ لأن الحقوق تثبت بقول اثنين. وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي، والقول الأول هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة فإنها مأخوذة من فيض الماء لكثرته.
ولأنه لو اكتفي فيه بقول اثنين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وإنما اكتفي بمجرد السماع.
فصل
فإن كان في يد رجل دار أو عقار يتصرف فيها تصرف الملاك بالسكنى والإعارة والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع فقال ابن حامد: يجوز أن يشاهد له بملكها. وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي.
قال القاضي: ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من اليد والتصرف؛ لأن اليد
(1) في الأصل: العمل. وما أثبتناه من المغني 12: 24.
(2) زيادة من المغني 12: 24.