ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت صحبته له، وعرف صوته يقينًا فيجب أن تقبل شهادته فيما تيقنه كالبصير. ولا سبيل إلى إنكار حصول اليقين في بعض الأحوال.
قال قتادة: للسمع قيافة كقيافة البصر. ولهذا قال أصحاب الشافعي: تقبل شهادته فيما يثبت بالاستفاضة ولا يثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين ولا بد أن يعرفهما حتى يعرف عدالتهما فإذا صح أن يعرف الشاهدين صح أن يعرف المقر، ولا خلاف في قبول روايته وجواز استمتاعه من زوجته إذا عرف صوتها وصحة قبوله النكاح، وجواز الاشتباه في الأصوات كجواز اشتباه الصور. وفارق الأفعال فإن مدركها الرؤية وهي غير ممكنة من الأعمى، والأقوال مدركها السمع وهو يشارك البصير فيه وربما زاد عليه. ويفارق الخط فإنه لو تيقن من كتب الخط أو رآه وهو يكتبه لم يجز أن يشهد بما كتب فيه.
إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز أن يشهد إلا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينًا. فإن جوز أن يكون صوت غيره لم يجز أن يشهد به؛ كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه.
مسألة: (ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل، ولا شهادة الولد [1] وإن سفل لهما وإن علوا) .
ظاهر المذهب: أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ولا لولد ولده وإن سفل، وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات. ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا لوالدته ولا جده ولا جدته من قبل أبيه وأمه وإن علوا، وسواء في ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي.
وعن أحمد: تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له؛ لأن مال الابن في حكم مال الأب له أن يتملكه الأب إذا شاء فشهادته له شهادة لنفسه أو يجر بها لنفسه
(1) في الأصل: الوالد. وما أثبتناه من المغني 12: 64.