والكافر لا يرى كفره عارًا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت عليه.
وقد روي عن مالك: أنها ترد أيضًا في حق من أسلم وبلغ، وعن أحمد مثله؛ لأنها شهادة مردودة فلم تقبل كشهادة من كان فاسقًا وقد ذكرنا ما يقتضي فرقًا بينهما فيفرقان، وروي عن أحمد في العبد إذا ردت شهادته لرقه ثم عتق وأعاد تلك الشهادة روايتان، وقد ذكرنا أن الأولى أن شهادته تقبل؛ لأن العتق من غير فعله وهو أمر يظهر بخلاف الفسق.
مسألة: (وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلًا قبلت منه) .
وذلك لأن التحمل لا تعتبر فيه العدالة ولا البلوغ ولا الإسلام؛ لأنه لا تهمة في ذلك وإنما يعتبر ذلك في الأداء، فإذا رأى الفاسق شيئًا أو سمعه ثم عدل وشهد به قبلت شهادته بغير خلاف نعلمه، وهكذا الصبي والكافر إذا شهد بعد الإسلام والبلوغ قبلت وكذلك الرواية. ولذلك كان الصبيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يروون عنه بعد أن كبروا كالحسن والحسين وابن عباس والنعمان بن بشير وابن الزبير وابن جعفر والشهادة في معنى الرواية، ولذلك اعتبرت لها العدالة وغيرها من الشروط المعتبرة للشهادة.
مسألة: (ولو شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها) .
أما إذا شهد الشاهدان عند الحاكم وهما ممن تقبل شهادته ولم يحكم بها حتى فسقا أو كفرا لم يحكم بشهادتهما. وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف.
وقال أبو ثور والمزني: يحكم بها؛ لأن بقاء أهلية الشهادة ليس شرطًا في الحكم بدليل ما لو ماتا.
ولأن فسقهما تجدد بعد أداء الشهادة فأشبه ما لو تجدد بعد الحكم بها. ودليلنا على عدم الحكم بها من طريقين:
أحدهما: أن عدالة الشاهد شرط للحكم فيعتبر دوامها إلى حين الحكم؛ لأن الشروط لا بد من وجودها في المشروط فإذا فسق انتفى الشرط فلم يجز الحكم.
الثاني: أن ظهور فسقه وكفره يدل على تقدمه؛ لأن العادة أن الإنسان يسر الفسق