وقد يدعي نكاحًا صحيحًا والحاكم لا يرى صحته ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا بعلمها ما لم تذكر الشروط وتقوم البينة بها ويفارق المال فإن أسبابه لا تنحصر وقد يخفى على المدعي سبب ثبوت حقه والعقود تكثر شروطها ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطًا سبعة [1] وربما لا يُحسن المدعي عدها ولا يعرفها والأموال مما يتساهل فيها، فلذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده فافترقا في الدعوى، وعدم العدة والردة الأصل عدمهما ولا يختلف الناس فيه ولا تختلف به الأغراض، فإن كانت المرأة أمة والزوج حر فقياس ما ذكرناه فإنه يحتاج إلى ذكر عدم الطول وخوف العنت؛ لأنهما من شرائط صحة نكاحها، وأما إن ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يحتج إلى ذكر شروطه في أحد الوجهين؛ لأنه يثبت بالاستفاضة ولو اشترط ذكر الشروط لاشترطت الشهادة به ولا يلزم ذلك في شهادة الاستفاضة وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط؛ لأنه دعوى نكاح. أشبه دعوى العقد.
مسألة: (ومن ادعى دابة في يد رجل فأنكره وأقام كل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته ولم يلتفت إلى بينة المدعى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باستماع بينة المدعي أو يمين المدعى عليه، وسواء شهدت بينة المدعى عليه أنها له أو قالت: ولدت في ملكه) .
أما من ادعى شيئًا في يد غيره فأنكره ولكل واحد منهما بينة فإن بينة المدعي تسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل. والمشهور من مذهبنا عند تعارض البينتين تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال، وهذا قول إسحاق. وعن أحمد رواية ثانية: إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقالت: نتجت في ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينته أقدم تاريخًا قدمت وإلا قدمت بينة المدعي. وهذا قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما لا يتكرر نسجه. وأما ما يتكرر؛ كالخز والصوف فلا تسمع بينته؛ لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد، وقد
(1) زيادة من المغني 12: 164.