كسبه كان لسيده بحكم ملكه إياه فرضي به عوضًا عنه وأعتق رقبته عوضًا عن منفعته المستحقة له بحكم الأصل فكان معتقًا له منعمًا عليه فاستحق ولاؤه؛ لقوله عليه السلام: (( الولاء لمن أعتق ) ) [1] ، وفي حديث بريرة أنها قالت: (( كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فقالت عائشة: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت. فرجعت بريرة إلى أهلها فذكرت ذلك لهم قالوا: لا إلا أن يكون الولاء لهم ) ) [2] . وهذا يدل على أن ثبوت الولاء على المكاتب لسيده كان متقررًا [3] عندهم.
مسألة: (ويعطى مما كوتب عليه الربع؛ لقول الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33] ) .
والنظر في الإيتاء في أمور: في وجوبه وجنسه وقدره ووقت جوازه ووقت وجوبه.
أما الأول فإنه يجب على السيد إيتاء المكاتب شيئًا مما كوتب عليه. روي هذا عن علي وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس بواجب؛ لأنه عقد معاوضة. فلا يجب فيه الإيتاء؛ كسائر عقود المعاوضات.
ولنا: قول الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33] وظاهر الأمر الوجوب. قال علي في تفسيرها: (( ضعوا عنهم ربع مال الكتابة ) ) [4] . وتخالف الكتابة سائر العقود فإن القصد بها رفق العبد بخلاف غيرها.
ولأن الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة فكذلك يجب أن يستحق العبد على السيد شيئًا.
الثاني: في جنسه إن قبض مال الكتابة ثم أعطاه منه جاز؛ لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه وإن وضع عنه مما وجب عليه جاز؛ لأن الصحابة فسروا الإيتاء بذلك.
(1) سبق تخريجه ص: 564.
(2) سيأتي تخريجه ص: 564.
(3) في الأصل: معتبرًا. وما أثبتناه من المغني 12: 355.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك (3501) 2: 431 كتاب التفسير، تفسير سورة النور.