فهرس الكتاب
معناه: أن من سلك طريقًا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب؛ لما روينا (( أن أهل العراق قالوا لعمر رضي الله عنه: إن قرنًا جور عن طريقنا فقال: انظروا حذوها من طريقكم فوقّت لهم ذات عرق ) ) [1] .
ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة.
فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم.
مسألة: (وهذه المواقيت لأهلها ولمن مرّ عليها من غير أهلها ممن أراد حجًا أو عمرة) .
معناه: أن من سلك طريقًا فيها ميقات فهو ميقاته فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتًا له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( هُنَّ لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ) ) [2] .
ولأنه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير إحرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت.
مسألة: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، فإن فعل فهو محرم) .
لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ويكره قبله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل. ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لأحرم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه قبله، ولما تواطؤوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل وأفضل الخلق ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم.
(1) سبق تخريجه ص: 646.
(2) سبق تخريجه ص: 646.