فصل
واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما. فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات. أشهرهن: أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس، نقلها عن أحمد الجماعة وذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بيع بجنسه، مطعومًا كان أو غير مطعوم؛ كالحبوب والأشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والورس والحناء والعصفر والحديد والنحاس ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن؛ لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا ) ) [1] رواه الداراقطني.
ولأن قضية البيع المساواة والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس. فإن الوزن والكيل يسوى بينهما صورة، والجنس يسوي بينهما معنى فكانا علة. ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة فإنه جائز إذا تساويا في الكيل.
والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها كونه مطعوم جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة ونحو هذا قال الشافعي. فإنه قال: العلة الطعم، والجنس شرط، والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبًا فيختص بالذهب والفضة؛ لما روى معمر بن عبد الله (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل ) ) [2] رواه أحمد ومسلم.
ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (58) 3: 18 كتاب البيوع.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه (1592) 3: 1214 كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلًا بمثل.
وأخرجه أحمد في مسنده (26706) طبعة إحياء التراث.