فهرس الكتاب
ولا يبعد أن يقدر الشرع بدل هذا المتلف قطعًا للخصومة ودفعًا للتنازع، كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه. ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن فلذلك أوجبه لوجوه:
أحدها: أن القيمة هي الأثمان لا التمر.
الثاني: أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم جميعًا صاعًا من تمر مع اختلاف لبنهما.
الثالث: أن لفظه عام يتناول كل مصراة. ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعًا. وإن أمكن أن يكون كذلك فيتعين إيجاب الصاع؛ لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها. فلا يجوز أن يعدل عنها، وإذ قد ثبت هذا فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدًا غير معيب؛ لأنه واجب بإطلاق الشارع. فينصرف إلى ما ذكرنا كالصاع الواجب في الفطرة. ولا يجب أن يكون من الأجود، بل يجوز من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد. ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة الشاة أو أقل أو أكثر. نص عليه أحمد. وليس هذا جمعًا بين البدل والمبدل؛ لأن التمر بدل اللبن قدره الشرع به، كما قدر في يدي العبد قيمته وفي يديه ورجليه قيمته مرتين مع بقاء العبد على ملك سيده. فإن عدم التمر في موضعه فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد؛ لأنه بمثابة عين أتلفها فيجب عليه قيمتها.
فصل
فإن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل إن أقرّ به البائع، أو شهد به من تقبل شهادته فله ردها ولا شيء معها؛ لأن التمر إنما وجب بدلًا للبن المحتلب. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها. فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر ) ) [1] ولم يأخذ لها لبنًا هاهنا. فلم يلزمه رد شيء معها. وهذا قول مالك.
(1) سبق تخريجه ص: 80.