فهرس الكتاب
فأراد بالعيب الأول نظرنا. فإن كان باعه عالمًا بالعيب أو وجد منه ما يدل على رضاه به فليس له رده؛ لأن تصرفه رضى بالعيب وإن لم يكن علم بالعيب فله رده على بائعه. وبهذا قال الشافعي؛ لأنه أمكنه استدراك ظلامته برده. فملك ذلك؛ كما لو فسخ الثاني بحكم حاكم، أو كما لو لم يزل ملكه عنه، وسواء رجع إلى المشتري الأول بالعيب الأول، أو بإقالة، أو هبة، أو شراء ثان، أو ميراث في ظاهر كلام القاضي؛ لأن سبب استحقاق الرد قائم. وإنما امتنع؛ لتعذره بزوال ملكه. فإذا زال المانع وجب أن يجوز الرد؛ كما لو رد عليه بالعيب.
فعلى هذا إذا باعها المشتري لبائعها الأول فوجد بها عيبًا كان موجودًا حال العقد الأول فله الرد على البائع الثاني، ثم للثاني رده عليه. وفائدة الرد هاهنا: اختلاف الثمنين فإنه قد يكون الثمن الثاني أكثر.
الفصل الثاني: أنه إذا باع المعيب ثم أراد أخذ أرشه، فظاهر كلام الخرقي: أنه لا أرش له، سواء باعه عالمًا بعيبه أو غير عالم. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن امتناع الرد كان بفعله. فأشبه ما لو أتلف المبيع.
ولأنه استدرك ظلامته ببيعه فلم يكن له أرش، كما لو زال العيب.
وقال القاضي: إن باعه مع علمه بالعيب فلا أرش له، لرضاه به معيبًا، وإن باعه غير عالم بالعيب فله الأرش. نص على هذا أحمد؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، ولم يوجد منه الرضا به ناقصًا. فكان له الرجوع عليه؛ كما لو أعتقه. وقياس المذهب: أن له الأرش بكل حال، سواء باعه عالمًا بعيبه أو جاهلًا به؛ لأننا خيرناه ابتداء بين رده وإمساكه وأخذ الأرش، فبيعه والتصرف فيه بمنزلة إمساكه.
ولأن الأرش عوض الجزء الفائت من المبيع، فلم يسقط ببيعه ولا رضاه؛ كما لو باعه عشرة أقفزة وسلم إليه تسعة فباعها المشتري، وقولهم: إنه استدرك ظلامته لا يصح، فإن ظلامته من البائع ولم يستدركها منه، وإنما ظلم المشتري فلا يسقط حقه بذلك من الظالم له، وهذا هو الصحيح من قول مالك، وذكر أبو الخطاب عن أحمد في رجوع بائع المعيب بالأرش روايتين، من غير تفريق بين علم البائع بالعيب وجهله به،