لحم قد وصفه، وبهذا قال مالك؛ لأن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وآجال؛ كبيوع الأعيان فإذا قبض البعض وتعذر قبض الباقي ففسخ العقد رجع بقسطه من الثمن. ولا يجعل للباقي فضلًا عن المقبوض؛ لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية؛ كما لو اتفق أجله.
مسألة: (وإذا لم يكن السلم؛ كالحديد والرصاص، وما لا يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه: لم يكن عليه قبضه قبل محِله) .
يعني: بالسلم المسلم فيه، سمي باسم المصدر، كما سمي المسروق سرقة والمرهون رهنًا.
قال إبراهيم النخعي: خذ سلمك أو دون سلمك، ولا تأخذ فوق سلمك، ومتى أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة لم يخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يحضره في محله. فيلزمه قبوله؛ لأنه أتاه بحقه في محله. فلزمه قبوله كالمبيع المعين، وسواء كان عليه في قبضه ضرر أو لم يكن. فإن أبى قيل له: إما أن تقبض حقك، وإما أن تبرئ منه. فإن امتنع قبضه الحاكم من المسلم إليه للمسلم وبرئت ذمته؛ لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته، وليس له أن يبرئ؛ لأنه لا يملك الإبراء.
الحال الثاني: أن يأتي به قبل محله فينظر فيه. فإن كان مما في قبضه قبل المحل ضرر إما لكونه مما يتغير؛ كالفاكهة والأطعمة كلها، أو كان قديمه دون حديثه؛ كالحبوب ونحوها: لم يلزم المسلم قبوله؛ لأن له غرضًا في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت، وكذلك الحيوان؛ لأنه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت. وربما يحتاج إليه في ذلك الوقت دون ما قبله. وهكذا إن كان مما يحتاج في حفظه إلى مؤونة؛ كالقطن ونحوه، أو كان الوقت مخوفًا يخشى نهب ما يقبضه. فلا يلزمه الأخذ في هذه الأحوال كلها؛ لأن عليه ضررًا في قبضه، ولم يأت محل استحقاقه له. فجرى مجرى نقص صفة. وإن كان مما لا ضرر في قبضه بأن يكون لا يتغير؛ كالحديد والرصاص والنحاس. فإنه يستوي قديمه وحديثه، ونحو ذلك الزيت والعسل، ولا في قبضه ضرر لخوف، ولا تحمل مؤونة فعليه قبضه؛ لأن غرضه حاصل مع زيادة