ولأن الغرماء لا يمكنهم طلب حقوقهم في الحال فلا حاجة إلى الحجر، وأما إن كانت ديونه حالة يعجز ماله عن أدائها فسأل غرماؤه الحجر عليه لزمته إجابتهم، ولا يجوز الحجر عليه بغير سؤال غرمائه؛ لأنه لا ولاية له في ذلك وإنما يفعله لحق الغرماء فاعتبر رضاهم. وإن اختلفوا فطلب بعضهم دون بعض أجيب من طلب؛ لأنه حق له، وبهذا قال مالك والشافعي؛ لما روى كعب بن مالك (( أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دين كان عليه ) ) [1] رواه الدارقطني.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه خطب الناس وقال: (( ألا إن أُسيْفع جهينة قد رضي من دينِه وأمانتهِ بأن يقال: سبقَ الحاج فادّان معرضًا فأصبحَ وقد رين به. فمنْ كانَ لهُ عليه مالٌ فليحضرْ غدًا فإنا بائعوا ماله، وقاسموهُ بينَ غرمائِه ) ) [2] .
ولأنه محجور عليه محتاج إلى قضاء دينه. فجاز بيع ماله بغير رضاه؛ كالصغير والسفيه.
ولأنه نوع مال. فجاز بيعه في قضاء دينه؛ كالأثمان.
إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول: ما فعله المفلس [3] قبل حجر الحاكم عليه من بيع أو هبة أو إقرار أو قضاء بعض الغرماء أو غير ذلك فهو جائز نافذ. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم أحدًا خالفهم.
ولأنه رشيد غير محجور عليه. فنفذ تصرفه كغيره.
ولأن سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه.
ولأنه من أهل التصرف ولم يحجر عليه فأشبه المليء.
وإن أكرى جملًا بعينه أو دارًا لم تنفسخ إجارته بالفلس وكان المكتري أحق به حتى تنقضي مدته.
ومتى حجر عليه لم ينفذ تصرفه في شيء من ماله بحال؛ لأن المقصود من الحجر منعه من
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (95) 4: 230 كتاب في الأقضية.
وأخرجه الحاكم في مستدركه (7060) 4: 113 كتاب الأحكام.
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 49 كتاب التفليس، باب الحجر على المفلس وبيع ماله في ديونه.
(3) زيادة من المغني 4: 489.