فهرس الكتاب

الصفحة 1021 من 1363

روى ابن الجوزي بسنده إلى قيس بن الحجاج قال: (لما فُتحت مصرُ أتى أهلها عمرَو بن العاص، حين دخل بؤونة من أشهر العجم ـ القبطية ـ فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. قال لهم: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة، وأبيب، ومسرى لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتى هموا بالجلاء عنها. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي الله عنه بذلك، فكتب إليه عمر:"إنك قد أصبت، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله"، وكتب بطاقة داخل كتابه، وكتب إلى عمرو:"إني قد بعثتُ إليك بطاقة داخل كتابي فألقها في النيل"، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة، فإذا فيها:"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنتَ تجري من قِبَلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك"؛ فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج، لأنها لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب، وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة ، فقطع الله تلك السُّنة السوء عن أهل مصر إلى اليوم) .

أرجو أن تقارن أخي المسلم بين حالنا وحال سلفنا الصالح تجاه هذه الممارسات الشركية، لتعلم البون الشاسع والفرق الواسع بيننا وبينهم في قوة اليقين والتوكل، وفي صدق الاعتماد على الله عز وجل.

وبعد..

فهذا بحث عن السحر، عن تعريفه، وحقيقته، وأنواعه، وحكم تعليمه وتعلمه والاشتغال به، وعن حد الساحر، وما يتعلق بذلك، والله أسأل أن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا الناصح الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين.

تعريف السحر

السحر عمل شيطاني، يتعاون فيه شياطين الجن مع إخوانهم من شياطين الإنس؛ فهو عزائم ورقى، منه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ومنه ما دون ذلك.

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: (والسحر عند علمائنا: حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم، والاكتساب، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، فيندر وقوعها، وتستغرب آثارها لندورها، ومادته الوقوف على خصائص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها، وأزمان ذلك، وأكثره تخيلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها ، فتعظم عند من لا يعرفها، وتشتبه على من لا يقف عليها، ولذلك قال تعالى:"يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى"، مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا، وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله:"وجاءوا بسحر عظيم"، لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى فإنها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة) .

السحر له حقيقة وتأثير

السحر له تأثير وحقيقة، كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى، وكما هو مشاهد، ولهذا فقد أمرنا بالاستعاذة منه، قال تعالى:"ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله"، وقال:"ومن شر النفاثات في العقد"، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، معاند، مكابر.

قال أبو العباس القرطبي: (ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور، حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام، وعظيم الأسقام، إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة، وعلى ما قررناه فالسحر ليس يخرق عادة، بل هو أمر عادي يتوصل إليه من يطلبه غالبًا، غير أنه يقل ويندر) .

حكم تعلم هذا النوع من السحر، والاشتغال به، والتصديق بذلك

من اشتغل بتعليم وتعلم هذا النوع من السحر الذي يُفَرَّق فيه بين المرء وزوجه، ويتسبب في حدوث الآلام والأسقام، في القلوب والأبدان، أو ذهب إلى هؤلاء وصدقهم فيما يقولون، واعتقد فيما يفعلون، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أي كفر بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الأدلة على كفر السحرة

الأدلة على كفر السحرة من القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح كثيرة، منها:

1.قوله تعالى:"وما يعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر".

2.وقوله تعالى:"وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا".

3.وقوله تعالى:"ويؤمنون بالجبت والطاغوت"، قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان.

4.وقال صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات"أي المهلكات، وذكر منهن:"السحر"، الحديث.

5.وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه:"من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت