فهرس الكتاب

الصفحة 1357 من 1363

خرَّج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهما أصح كتابين بعد كتاب الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اشترى رجلٌ من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جَرَّة فيها ذهب، فقال الذي اشترى العقار للبائع: خذ ذهبك، أنا اشتريت منك الأرض، ولم أشتر الذهب؛ وقال الذي باع له الأرض: إنما بعتُك الأرض وما فيها؛ فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدُهما: نعم؛ وقال الآخر: لي جارية ـ أي بنت؛ قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا على أنفسهما منه؛ فانصرفا".

لا يدري والله المطلع على هذا الحديث أن يعجب أكثر من البائع، أم من المشتري، أم الحكم؟ فكل واحد منهم أشد عجبًا وأعظم ورعًا من الآخر.

ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة لأمته إلا لتتخلق بمثل هذه الأخلاق الفاضلة، وتتشبه بهؤلاء الثلاثة: البائع، والمشتري، والحكم، وإلا لتتعامل بالصدق وتحفظ الأمانة، وتحرص على الشرف وحسن السمعة، ولا يستحل أحدُنا ما لا يستحقه، فتحصل الثقة، وتحل البركة، ويخف الطمع، ويصح الورع، وإلا ليحذرنا من سلوك إخوان القردة والخنازير الكفار المعاندين:"من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمتَ عليه قائمًا"، وإن كان أهل الكتاب الآن في التعامل الظاهري في البيع والشراء أصدق من كثير من المسلمين، مراعاة لمصالحهم الدنيوية.

نرجو من إخواننا التجار أن يعوا ذلك، وأن يتشبهوا بأسلافهم الأخيار، ولا ينساقوا وراء الطمع والجشع، فيخسروا الدنيا والآخرة، وليعلموا أن الحرام يُذهب الحلال والحرام.

اشترى سليمان عليه السلام الأرضَ التي بنى عليها المسجد الأقصى من رجل، فبعدما لزم البيع قال لصاحب الأرض: اعلم أن أرضك أقيم مما أعطيناك من المال، فهل أنت راضٍ به؟ فما زال الرجل يستزيده ويزيده سليمان إلى أن قنع.

وما فعله سليمان كان يفعله الصحابي حكيم بن حزام، حيث اشترى له غلامه حصانًا بثلاثمائة دينار، فذهب حكيم إلى صاحب الحصان، وقال له: اعلم أن حصانك أقيم عندنا من الثلاثمائة، فاستزاده الرجل فزاده إلى ستمائة دينار.

ورحم الله التاجر القائل:

يا ليتني أبيع الشيء يكسب فيه المشتري الربح دينارًا بعشرينا

أحبُّ شيء إلى نفسي معاملة كسب العميلُ فنأتيه و يأتينا

نحن لا نطمع من إخواننا التجار، والسماسرة، والوسطاء أن يكونوا بهذا الورع، ولكن نطلب منهم فقط تجنب الحرام البين، وتجنب ما نهى عنه صاحب الشريعة في البيع والشراء من السوم على سوم أخيه المسلم، أوالبيع على بيعه، ومن النجش، وأن يبيع حاضر لبادٍ، ومن الغرر، والخديعة، ومن الغبن الفاحش والغش الواضح، وعن تطفيف المكيال والميزان، ونحو ذلك من المحرَّمات والمنهيات، والله الموفق إلى كل خير، والهادي إلى سواء السبيل.

خيار المجلس

خيار الشرط

خيار العيب

خيار التدليس

خيار الغبن

خيار التخيير في الثمن في بيوع الأمانة

الإسلام دين العدل والرحمة، والتسامح، والحكمة، ولذلك شرع رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته الخيار في البيع، وحثهم وحضهم على الإقالة فيه وفي غيره، فقال:"من أقال معثرًا أقال الله عثرته يوم القيامة"الحديث، لأن الإنسان قد يتعجل في البيع والشراء، أويُخدع، أوتظهر له عيوب في السلعة، فجعل له الرسول الكريم مجالًا للتراجع، ولتدارك ما يمكن تداركه، رفعًا للحرج والمشقة.

فالخيار في البيع هو طلب خير الأمرين، من الإمضاء والفسخ.

وهو أنواع، منها ما هو متفق عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، من ذلك:

1.خيار المجلس

أي المجلس الذي تم فيه العقد.

عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحًا ويُمحقا بركة بيعهما".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا".

ذهب العامةمن أهل العلم أن المراد بالتفرق هو التفرق بالأبدان، وهو الراجح، لتفسير ابن عمر لذلك وهو راوي الحديث، فكان إذا باع أو اشترى وأراد أن يلزم بذلك خرج من المجلس.

وذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله أن المراد بالتفرق التفرق بالكلام، يعني: بعني، بعتُك، ولذلك لم يأخذا بخيار المجلس، وما ذهبا إليه مرجوح ومردود بتفسير ابن عمر للمراد، ولأن التفرق عرفًا لا يكون إلا بالأبدان.

وعليه فإذا تبايع رجلان فلكل منهما إمضاء البيع أوفسخه ما داما في المجلس الذي تم فيه البيع، طال هذا المجلس أم قصر، ما لم يشترط أحدهما أوكلاهما إمضاء البيع، ويحرم على أحد المتعاقدين أن يخرج من المجلس بحيلة إسقاط الخيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت