فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 1363

وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه كما قال ابن عبد البر: ("إن رجلًا من المسلمين قال: اللهم إني ليس لي مال أتصدق به، وإني قد جعلت عرضي صدقة لله عز وجل لمن أصاب منه شيئًا من المسلمين؛ قال: فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له"، أظنه أبا ضمضم المذكور، والله أعلم) .

قال ابن عبد البر: أبو ضمضم غير مسمى ولا منسوب.

في هاتين الروايتين فإن أبا ضمضم هذا كان من الصحابة، ولهذا ترجم له ابن عبد البر في الصحابة، وتبعه الحافظ ابن حجر في الإصابة، ولكن خرَّج أبو داود وأبو الخطيب في الموضح كما قال الحافظ ابن حجر، عن ثابت بن عبد الرحمن بن عجلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيعجزُ أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: رجلٌ ممن كان قبلكم.."الحديث.

فالتشبه بالرجال فلاح، لأن الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة منها ما هو فطري، ومنها ما هو مكتسب، بحيث يستطيع المرء أن يكتسبها عن طريق الحرص والمجاهدة.

وهذا كله يدل على أن الكرم ليس بكثرة العَرَض والمال، وإنما بسخاء النفس ويقينها بأن الله يخلف ما ينفق، ولهذا كان الغنى الحقيقي هو غنى النفس، فالكريم الجواد يتصدق ولو بتبسمه في وجه أخيه، ولو بعرضه، والبخيل الشحيح يطمع في ما عند غيره.

السيادة، والقيادة، والإمارة في الإسلام وظيفة دينية لها مقومات وشروط، ومن أهم مقوماتها ما يأتي:

1.تقوى الله.

2.العلم.

3.العدل والإنصاف.

4.الشجاعة.

5.الرأي السديد.

6.الكرم والجود.

7.المقدرة على القيام بالشفاعة الحسنة.

8.العقل والحكمة.

ومن مقومات القيادة والسيادة والرئاسة الجبلية الجودُ والكرم، فالبخيل الشحيح لا يصلح أن يكون رئيسًا ولا زعيمًا أبدًا.

دليل ذلك ما رواه الزهري بسنده عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني ساعدة:"من سيِّدُكم؟"قالوا: الجَدُّ بن قيس؛ قال:"بِمَ سَوَّدتموه؟"قالوا: إنه أكثرنا مالًا، وإنا على ذلك لنَزُنُّه بالبخل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وأيُّ داءٍ أدوى من البخل؟"، قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟ قال: بشْر بن البَرَاء بن مَعْرور"."

وفي رواية:"من سيِّدُكم؟"فقالوا: الجد بن قيس، على بخل فيه؛ فقال:"وأيُّ داءٍ أدوى من البخل! سيِّدُكم الجَعْدُ الأبيض عمرو بن الجموح".

ورجح ابن عبد البر أنه سوَّد عليهم بشر بن البراء.

قال ابن عبد البر: ورد في هذا الخبر لبني ساعدة، وإنما هو لبني ساردة.

لقد عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد بن قيس من سيادة هذا الحي من الأنصار عندما علم ببخله، وسوَّد عليهم في الحال أحد الجوّاد، إما عمرو بن الجموح، أوبشر بن البراء، وكلاهما أهل للسيادة والقيادة، وذلك لجودهما وكرمهما.

قال ابن عبد البر عن عمرو بن الجموح رضي الله عنه:"وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج".

ولهذا مدحه شاعر الأنصار:

وقال رسولُ الله و الحقُّ قولُه لمن قال منا من تسمون سيدا ؟

فقالوا له جد بن قيس على التي نبخله فيها وإن كان أسودا

فسوَّد عمرو بن الجموح لجوده وحق لعمر بالندى أن يسوَّدا

إذا جاءه السؤَّالُ أذهب ماله وقال خذوه إنه عائد غدا

فلو كنتَ يا جَدُّ بن قيس على التي على مثلها عمرو لكنتَ مسوَّدا

قتل عمرو بن الجموح، وكان أعرج معذورًا عن الغزو، شهيدًا في أحُد، وعندما قيل له: ما عليك من حرج لأنك أعرج؛ أخذ سلاحه وولى، وقال: والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة؛ فكان له ما أراد، فقد أخبر الصادق المصدوق أنه وطئ بها الجنة.

وأما بشر بن البراء فقد قتل هو الآخر شهيدًا مسمومًا بسم اليهودية بخيبر، التي أرادت أن تسمَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الحال، وقيل عندما وصل المدينة.

أما الجد بن قيس لعنه الله فقد ختم له بالكفر والنفاق، وذلك لسوء طويته، وبخله، ودناءة نفسه:"ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين"، حيث اعتذر عن الخروج إلى تبوك خوفًا من نساء بني الأصفر!!

على العلماء وطلاب العلم والدعاة أن يتأسَّوا بالأنبياء والصحابة والصالحين، وأن يتخلقوا بأخلاقهم، وأن يتشبهوا بسلوكهم، وعليهم أن يدعوا الناس بأعمالهم قبل أقوالهم، وليحذروا أن يدعوا الناس بأقوالهم ويصدوهم بأعمالهم، وأفعالهم، وسلوكهم.

من الأخلاق التي ينبغي أن يتصف بها جميع الدعاة إلى الله الجودُ، والكرم، والشفاعة الحسنة، فإبراهيم أبو الأنبياء والضيفان بادر ضيوفه الكرام من الملائكة حيث جاءوا في صور أناس بعجل سمين حنيذ، حيث قال الله على لسانه:"فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقرَّبه إليهم فقال ألا تأكلون".

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم"ما سئل شيئًا قط فقال: لا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت