فهرس الكتاب
روي عن علي بن زيد بن جدعان أن أنسًا رضي الله عنه دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي الجائر المبير، فقال له الحجاج: إيه يا خبيث، شيخًا جوالًا في الفتن، مع أبي تراب مرة، ومع ابن الزبير أخرى، ومع ابن الأشعث مرة، ومع ابن الجارود أخرى، أما والله لأجردنك جرد الضب، ولأقلعنك قلع الصمغة، ولأعصبنك عصب السلمة، العجب من هؤلاء الأشرار أهل البخل والنفاق، فقال أنس رضي الله عنه: من يعني الأمير؟ فقال: إياك أعني أصم الله صداك.
قال علي بن زيد: فلما خرج أنس من عنده قال: أما والله لولا ولدي لأجبته؛ ثم قال: كتب إلى عبد الملك بن مروان بما كان من الحجاج إليه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابًا، وأرسله مع إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، فقدم على الحجاج وبدأ بأنس فقال له: إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك، وأعظم ذلك، وأنا لك ناصح، إن الحجاج لا يعدله عند أمير المؤمنين أحد، وقد كتب إليه أن يأتيك، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك، فتخرج من عنده وهو لك معظم، وبحقك عارف؛ ثم أتى الحجاج فأعطاه كتاب عبد الملك، فتمعَّر وجهه، وأقبل يمسح العرق من وجهه ويقول: غفر الله لأمير المؤمنين، ما كنتُ أراه يبلغ مني هذا!! قال إسماعيل: ثم رمى بالكتاب إليَّ وهو يظن أني قرأته، ثم قال: اذهب بنا إليه؛ فقلت: لا، بل يأتيك أصلحك الله! فأتيت أنسًا رضي الله عنه، فقلت: اذهب بنا إلى الحجاج، فأتاه ورحب به، وقال: عجلت باللائمة يا أبا حمزة، إن الذي كان مني إليك كان من غير حقد، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون لله عليهم سلطان يقيم حجته، ومع هذا فأنا أردت أن يعلم منافقو أهل العراق وفساقهم أني متى أقدمت عليك، فهم عليّ أهون، وأنا إليهم أسرع، ولك عندنا العتبى حتى ترضى.
فقال أنس: ما عجلتُ باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة، وحتى شمتَّ بنا الأشرار، وقد سمانا الله الأنصار، وزعمتَ أنا أهل بخل، ونحن المؤثرون على أنفسهم، وزعمت أنا أهل نفاق، ونحن الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبل، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق باستحلالك مني ما حرم الله عليك، وبيننا وبينك الله حكم هو أرضى للرضا، وأسخط للسخط، إليه جزاء العباد، وثواب أعمالهم، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فوالله إن النصارى على شركهم وكفرهم لو رأوا رجلًا قد خدم عيسى عليه السلام يومًا واحدًا لأكرموه وعظموه! فكيف لم تحفظ لي خدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين؟! فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك منك، وإن يكن غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالفرج.
قال: وكان كتاب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد: فإنك عبد طمت بك الأمور حتى عدوت طورك، وأيم الله يا ابن المستنثرة بعجم الزبيب لقد هممت أن أضغمك ضغمة كضغمات الليوث للثعالب، وأخبطك خبطة تود أنك زاحمت مخرجك من بطن أمك، قد بلغني ما كان منك إلى أنس، وأظنك أردتَ أن تختبر أمي المؤمنين، فإن كان عنده غيرة وإلا أمضيتَ قدمًا، فلعنة الله عليك وعلى آبائك، أخفش العينين، ممسوح الحاجبين، أحمس الساقين، نسيت مكان آبائك بالطائف، وما كانوا عليه من الدناءة واللؤم، إذ يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم، وينقلون الحجارة على ظهورهم، فإذا أتاك كتابي هذا وقرأته، فلا تلقه من يديك حتى تلقى أنسًا بمنزله، واعتذر إليه، وإلا بعث إليك أمير المؤمنين نبأك، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون، فلا تخالف أمير المؤمنين، وأكرم أنسًا، وولده، وإلا بعثت إليك من يهتك سترك ويشمت بك عدوك، والسلام.
هذه المواقف الثلاثة تدل على الآتي:
1.ما كان عليه حكام المسلمين الأوائل من العدل والإنصاف والغيرة لله ولدينه.
2.ما كان عليه العلماء من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سر بقاء هذا الدين.
3.أن الأمر والنهي من الصادقين المخلصين لا يباعد من رزق ولا يقرب من أجل.
4.أن النصيحة الصادقة عاقبتها كلها خير.
جاء في رحلة ابن الصلاح وتاريخ ابن النجار في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: حدثنا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله، عن القاضي الإمام أبي الطيب أنه قال: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور ببغداد، فجاء شاب خرساني يسأل عن مسألة المصرَّاة، ويطلب الدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب، وكان حنفيًا: أبو هريرة غير مقبول الحديث؛ قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس، وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له: تب؛ فقال: تبت؛ فغابت الحية ولم يبق لها أثر.
قال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت، فيه ثلاثة من صالحي أئمة المسلمين: القاضي أبو الطيب الطبري، وتلميذه أبو إسحاق، وتلميذه أبو القاسم الزنجاني.