فهرس الكتاب

الصفحة 1120 من 1363

5-لأن الشخص قد تجعل له المعصية المعينة جاهًا ومكانة بين أصحابه فيعز عليه أن يفقد هذه المكانة فيستمر في المعصية، كما يقع لبعض رؤساء عصابات الشر والفساد، وكذلك ما وقع لأبي نواس الشاعر الماجن لما نصحه أبو العتاهية الشاعر الواعظ ولامه على تهتكه في المعاصي، فأنشد أبو نواس: أتراني يا عتاهي *** تاركًا تلك الملاهي أتراني مفسدًا بالنسك عند القوم جاهي الثالث: أن يبادر العبد إلى التوبة، ولذلك فإن تأخير التوبة هو في حد ذاته يحتاج إلى توبة. الرابع: أن يخشى على توبته من النقص، ولا يجزم بأنها قبلت، فيركن إلى نفسه ويأمن مكر الله. الخامس: استدراك ما فات من حق الله إن كان ممكنًا، كإخراج الزكاة التي منعها في الماضي ولما فيها من حق للفقير كذلك. السادس: أن يفارق موضع المعصية، إذا كان وجوده فيه قد يوقعه في المعصية مرة أخرى. السابع: أن يفارق من أعانه على المعصية ( وهذا والذي قبله من فوائد حديث قاتل المائة وسيأتي سياقه ) . والله يقول:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" (الزخرف الآية 67) وقرناء السوء سيلعن بعضهم بعضًا يوم القيامة، ولذلك عليك أيها التائب بمفارقتهم ونبذهم ومقاطعتهم والتحذير منهم إن عجزت عن دعوتهم ولا يستجرينك الشيطان فيزين لك العودة إليهم من باب دعوتهم وأنت تعلم أنك ضعيف لا تقاوم. وهناك حالات كثيرة رجع فيها أشخاص إلى المعصية بإعادة العلاقات مع قرناء الماضي. الثامن: إتلاف المحرمات الموجودة عنده مثل المسكرات وآلات اللهو كالعود والمزمار، أو الصور والأفلام المحرمة والقصص الماجنة والتماثيل، وهكذا فينبغي تكسيرها وإتلافها أو إحراقها. ومسألة خلع التائب على عتبة الاستقامة جميع ملابس الجاهلية لابد من حصولها، وكم من قصة كان فيها إبقاء هذه المحرمات عند التائبين سببًا في نكوصهم ورجوعهم عن التوبة وضلالهم بعد الهدى، نسأل الله الثبات. التاسع: أن يختار من الرفقاء الصالحين من يعينه على نفسه ويكون بديلًا عن رفقاء السوء، وأن يحرص على حِلَق الذكر ومجالس العلم، ويملأ وقته بما يفيد حتى لا يجد الشيطان لديه فراغًا ليذكره بالماضي. العاشر: أن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسُحت فيصرف طاقته في طاعة الله ويتحرى الحلال حتى ينبت له لحم طيب. الحادي عشر: أن تكون التوبة قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها، والغرغرة الصوت الذي يخرج من الحلق عند سحب الروح. والمقصود أن تكون التوبة قبل القيامة الصغرى والكبرى لقوله صلى الله عليه وسلم:"من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه" (رواه أحمد والترمذي( صحيح الجامع 6132 ) ، وقوله:"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (رواه مسلم) توبة عظيمة ونذكر هنا نموذجًا لتوبة الرعيل الأول من هذه الأمة، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن بريدة ( رضي الله عنه ) : أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده. فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فقال:"أتعلمون بعقله بأسًا ؟ تنكرون منه شيئًا ؟"قالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل، من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرُجم". قال: فجاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله لم تردني ؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: أما لا، فاذهبي حتى تلدي. قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال:"اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه". فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا رسول الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضخ الدم على وجه خالد فسبها. فسمع نبي الله سبه إياها، فقال:"مهلًا يا خالد ! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ (وهو الذي يأخذ الضرائب) لغفر له" (رواه مسلم) . ثم أمر بها فصلى عليها، ودفنت". وفي رواية فقال عمر يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها ! فقال:"لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت شيئًا أفضل من أن جادت بنفسها لله (عز وجل) (رواه عبد الرازق في مصنفه 7/325.)

فضيلة الدكتور/ عبد الوهاب الطريري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت