فهرس الكتاب

الصفحة 1314 من 1363

تلك بعض أهداف الجهاد التي شرع من أجل تحقيقها، وأما غايته التي يتوقف عندها الجهاد: هي إسلام أهل الأرض كلهم واعتناقهم عقيدة الإسلام من غير أهل الكتاب والمجوس. أما هؤلاء إذا دفعوا الجزية ملتزمين أحكام الإسلام حال كونهم في ذلك وصغار فإن المسلمين يكفون عن قتالهم وبهذا تكون كلمة الله هي العليا ودين الحق والباطل وأهلهما قائم ما وجد في الأرض اثنان، قال:"لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة" [متفق عليه] ، وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي r:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنم، قال الحافظ:"سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم.والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا" [فتح الباري 6/42] ."

بسم الله الرحمن الرحيم

من كتاب: أهمية الجهاد

لعلي العلياني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن للجهاد حكمًا بالغة وأهدافًا جليلة لأن الذي شرعه هو العليم الخبير ، فما دام الآمر به هو الحكيم فالحكمة والمصلحة ثابتة فيه قطعًا ، وتلمس حكمة الجهاد لا يتوقف القيام به على معرفتها عند المسلم الصادق ، فإن مقتضى العبودية أن ينفذ العبد أمر سيده ، عرف حكمته أو لم يعرف ، ولكن معرفة الحكمة تقوي العزائم وتشحذ الهمم وتيسر أمر التكاليف على المكلفين ونحو ذلك من الفوائد والمصالح ، ولنرجع إلى ما أمرنا الله به بالرجوع إليه"الكتاب والسنة"نأخذ منهما أهداف الجهاد وغايته .

الهدف الرئيسي: هو تعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد وإزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا ، وإخلاء العالم من الفساد وذلك لأن خضوع البشر لبشر مثلهم وتقديم أنواع العبادة لهم من الدعاء والنذر والذبح والتعظيم والتشريع والتحاكم هو أساس فساد الأجيال المتعاقبة من لدن نوح عليه السلام إلى يومنا هذا وهو انحراف بالفطرة السوية عما خلقها الله عليه من التوحيد كما قال صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال (( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .. ) )رواه مسلم .

فهدف الجهاد الإسلامي الأكبر هو إرجاع البشر إلى الأصل وهو الملة الحنيفية التي تخضعهم لرب العالمين وتجعلهم يستمدون منه سبحانه وتعالى منهج حياتهم الدنيا ويعبدونه كما أمر الله ولا يعبدون أحدًا غيره ، وهذا الخضوع لله هو الذي يحقق لهم السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة .

يقول سيد قطب رحمه الله تحت عنوان منهج متفرد:

(( والآن يقول قائل إذا كان الإسلام وهو منهج الله للحياة البشرية لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس إلا بالجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية ، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في البيئات المختلفة ، فما ميزته إذن على المناهج البشرية التي يضعها البشر لأنفسهم ويبلغون منها ما يبلغه جهدهم في حدود طاقتهم وواقعهم ولماذا يجب أن نحاول تحقيق ذلك المنهج وهو يحتاج إلى الجهد البشري ككل منهج ، فلا يتحقق منه شيء بمعجزة خارقة ، ولا بقهر إلهي ملزم ، وهو يتحقق في حياة الناس في حدود فطرتهم البشرية وطاقتهم العادية وأحوالهم الواقعية .

ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ابتداء لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام ، فركن الإسلام الأول أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وشهادة أن لا إله إلا الله معناها القريب: إفراد الله سبحانه بالألوهية وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها ، وأولى خصائص الألوهية حق الحاكمية المطلقة الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد ، وحق وضع المناهج لحياتهم وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة .

فشهادة أن لا إله إلا الله لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن الله وحده حق وضع المنهج التي تجري عليه الحياة البشرية وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأسباب تتعلق بالمنهج ذاته فهو وحده المنهج الذي يحقق كرامة الإنسان ويمنحه الحرية الحقيقية ويطلقه من العبودية .. هو وحده الذي يحقق له التحرر الكامل الشامل المطلق في حدود إنسانيته وعبوديته لله ... التحرر من العبودية للناس بالعبودية لله رب الناس ، وما من منهج آخر في الأرض يحقق هذه الخاصية إلا الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت