فهرس الكتاب
ثانيًا: أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وبينه رسوله بقوله:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"الحديث، فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال، ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم، مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقدير سيرها، فوجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه الله لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه).
الخلاصة
وعليه فإنه لا يحل لإمام المسلمين ولا لغيره، من قاضٍ، أومجلس فتوى أن يصوِّم المسلمين أويفطِّرهم بالحساب، فإن فعل ذلك فقد باء بإثمهم وتحمل وزرهم، ولا يجزئ صومهم هذا، سواء كان الجو صحوًا أم لا.
ولا ينبغي لمسلم أن يطيع أحدًا في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والدليل على ذلك ما يأتي:
أولًا: القرآن الكريم
قوله تعالى:"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا"الآية.
وقوله:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"الآية.
ثانيًا: السنة
قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"الحديث.
ثالثا: الإجماع
حيث أجمع أهل السنة قاطبة ـ إلا من شذ ـ أهل الحق والعدل على ذلك، ولم يعمل بالحساب إلا أهل الأهواء الرافضة، فبئس حال ومآل من اتخذ الرافضة قدوة له.
وأخيرًا نقدم للمتساهلين في هذه المسألة المتهاونين فيها موقف الإمام الشهيد البطل قاضي قضاة مدينة برقة في عهده محمد بن الحُبُلي رحمه الله، الذي رفض أن يفطِّر الناس بالحساب ويتقلد إثمهم ويبوء بوزرهم، وإن أدى ذلك إلى استشهاده رحمه الله:
قال الإمام الذهبي رحمه الله: (الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحُبُلي أتاه أمير برقة ـ عندما كانت تحت وطئة الرافضة ـ فقال: غدًا العيد؛ قال: حتى نرى الهلال، ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم؛ فقال: بهذا جاء كتاب المنصور؛ وكان هذا رأي العبيدية يفطِّرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية، فلم ير الهلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهْبَة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي؛ فأمر الأمير رجلًا خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور، فأمر، فعُلِّق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش، فلم يسق، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين) مصحوبة بغضب رب العالمين على الرافضة أجمعين إلى يوم الدين.
قلت: لو كان لهذا الإمام سعة أن يفطر الناس بالحساب لما جاز له أن يفضل القتل عليها، ولأخذ بها لعلمه أن هؤلاء الخبثاء سيقتلونه قطعًا إذا خالف باطلهم، كما قتلوا أسلافه من أئمة أهل السنة المالكيين على يد هؤلاء الطغاة المارقين.
قال الذهبي الحافظ الكبير والمؤرخ القدير:(قال أبو الحسن القابسي صاحب"الملخَّص": إن الذين قتلهم عبيد الله الرافضي الشيعي وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردوهم على الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فقال سهل الشاعر:
وأحل دار النحر في أغلاله من كان ذا تقوى وذا صلوات
ودفن سائرهم في"المنستير"وهو بلسان الفرنج المعبد الكبير، وكانت دولة هذا بضعًا وعشرين سنة) .
وما فعله الشيعة الرافضة المتسمين بالقرامطة بالمسلمين بالمشرق في ذلك العهد فاق ما فعله إخوانهم في الضلال بالمغرب الإسلامي، كما بين ذلك المؤرخان المحدثان الذهبي وابن كثير.
يقول الذهبي في ترجمة القرمطي هذا:(عدو الله ملكُ البحرين أبو طاهر.. القرمطي.. الذي سار إلى مكة 317هـ ، فاستباح الحجيج كلَّهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، في سبعمائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة يصيح:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا
فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى الذرية، واقام بالحرم ستةأيام، بذل السيف في سابع ذي الحجة ولم يُعَرِّف أحد ـ لم يقف أحد بعرفة ولم يحج ـ تلك السنة... دخل القرمطي سكران على فرس، فصفر له فبال عند البيت، وضرب الحجر بدُبوس هَشَّمه ثم اقتلعه، وأقاموا بمكة أحد عشر يومًا، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفًا وعشرين سنة).
نقدم ذلك للمخدوعين بالدعايات الشيعية، والتقية الرافضية، الداعين إلى التقارب بين اللاعنين لكبار الصحابة، السابين لخيارهم، القاتلين للمترضين عليهم.
وفق الله المسلمين للعمل بكتابه، والتمسك بسنة نبيه، وعصمهم من تقليد الكفار والتشبه بهم، المفضي بهم إلى غضب الجبار، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
هذه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم إلى قولين: