فهرس الكتاب
هناك فرق بين الاحتكار والادخار، فيجوز للمرء أن يدخر لنفسه ما يكفيه وعياله، فقد صحَّ أن سيد الخلق وهو إمام المتوكلين صلى الله عليه وسلم كان يدخر لنسائه قوت عامهم.
صحَّ عن أنس عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.
وليس حرامًا أن يتاجر الإنسان في الطعام وأن يخزن منه كميات كبيرة أوقليلة، ولكن الحرام أن يحبسه ويخفيه مع حاجة الناس إليه، أما إذا أخرجه عند الحاجة وباعه بسعر المثل ولم يغالي في سعره فليس هذا بمحتكر، والله أعلم.
روى الحسن قائلًا: ثقل معقل بن يسار فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فقال: هل تعلم يا معقل أني سفكت دمًا حرامًا؟ قال: ما علمت؛ قال: أجلسوني؛ ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئًا لم أسمعهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ولا مرتين، سمعته يقول:"من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة"؛ قال: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، غير مرة ولا مرتين.
وعن الحسن كذلك عن الحكم عن عبد الرحمن بن قيس قال: قال قيس:"قد أحرق لي عليٌّ بيادر بالسواد ـ العراق، وذلك لخضرة أشجاره ـ كنتُ قد احتكرتها، لو تركها لربحت بها مثل عطاء الكوفة".
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك , وبفضلك عمن سواك، يا واسع المغفرة، وصلى الله وسلم على إمام الموحدين، وسيد المتوكلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته والتابعين.
في بعض الأحيان يموت البعض موتًا جماعيًا بسبب حرب أووباء، أوحوادث سيارات، أوطائرات، أوقطارات، أوبسبب تفجيرات، أونتيجة حرق، أوغرق، أوهدم، ونحو ذلك، بحيث لا يعرف عن بعض المتوارثين أيهم مات قبل صاحبه، فيحدث مشكلة ونزاعًا، أما إذا عرف موت أحد المتوارثين بعد صاحبه ولو بلحظة ورثه.
لقد كثر الموت الجماعي والفجائي في هذا العصر، لكثرة الهرْج وغيره، كما تنبأ بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.
ذهب أهل العلم في توارث من عمي موتهم ـ بعضهم من بعض ـ فلم يُعرف أيهم مات أولًا مذهبين، هما:
الأول: لا توارث بينهم، وإنما يرث كلَّ واحد منهم ورثتُه الأحياء.
وهذا مذهب أبي بكر، وزيد بن ثابت، وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، ومذهب الجمهور من أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، ومن وافقهم، وهذا هو الراجح، لأن من شروط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت الموروث ولم يتحقق ذلك، ولأن قتلى اليمامة، والحَرَّة، وصفين، والجمل لم يورث بعضُهم من بعض.
الثاني: يورَّث كلُّ واحد منهم من الثاني من ماله التليد"القديم"، دون الطريف"وهو ما ورثه من صاحبه"، هذا مذهب عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما من الصحابة، وهو مشهور مذهب أحمد رحمه الله.
واستدل أصحاب هذا القول باستصحاب حياة كل منهما إلى ما بعد موت الآخر، ولأن عمر رضي الله عنه لما وقع الطاعون بالشام، وجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم، فكُتِبَ بذلك إلى عمر، فأمر أن يورَّث بعضُهم من بعض.
ويشترط للتوريث في هذه الحال أن لا يختلف ورثة الموتى المشتبه في ترتيب موتهم، بأن يدعي ورثة كل ميت تأخر موت صاحبهم عن الآخر، وليس هناك بينة، فإن اختلفوا ولم يتوافقوا يتحالفون ولا توارث بينهم حينئذ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم الإمام طيَّب الله ثراه:(فصل: فيمن عمَِّي موتُهم فلم يُعرف أيهم مات أولًا، فالنزاع مشهور فيهم، والأشبه بأصول الشريعة أن لا يرث بعضُهم من بعض، بل يرث كل واحد ورثتُه الأحياء، وهو قول الجمهور، وقول في مذهب أحمد، لكنه خلاف المشهور في مذهبه.
وذلك لأن المجهول كالمعدوم في الأصول، بدليل الملتقِط لما جهل حال المالك، كان المجهول كالمعدوم، فصار مالكًا لما التقطه، لعدم العلم بالمالك.
إلى أن قال:
وأيضًا فالميراث جُعل للحي ليكون خليفة للميت ينتفع بماله، فإذا مات على هذه الحال لم يكن انتفاع أحدهما بمال الآخر أولى من العكس، وجعلُ كلِّ واحد منهما وارثًا موروثًا مناقض لمقصود الإرث، فإن كونه وارثًا يوجب أن يكون حيًا يخلف غيره، وكونه موروثًا يوجب أن يكون ميتًا مخلوفًا، فكيف يحكم بحكمين متناقضين في حال واحدة؟
وكما أنهم لم يورِّثوه إلا من التلاد دون ما ورثه لئلا يلزم الدور، فيجب أن لا يورثوه مطلقًا لئلا يلزم الدور في نفس الموروث لا في عين الموروث.
وأما إذا عاش أحدُهما بعد الآخر، ولو لحظة، فإنه بمنزلة الطفل إذا استهل ثم مات، فثبت له حكم الحياة المعلومة، فاستحق الإرث، بخلاف من لا تعلم حياتُه بعد الآخر، فإن شرط الإرث ـ وهو العلم بحياته بعده ـ منتفٍ، فلا يجوز توريثه منه)