فهرس الكتاب
لعلك تبينت مما أسلفنا آنفًا أن غاية الجهاد في الإسلام هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها ، وهذه المهمة مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام غير منحصرة في قُطر دون قطر بل مما يريده الإسلام ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة ، هذه غايته العليا ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره إلا أنه لا مندوحة للمسلمين أو أعضاء الحزب الإسلامي عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها .
أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل المحيط بجميع أنحاء الأرض وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية بل تدعو الناس جميعًا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين لا يمكنها أصلًا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قُطر ، بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينيها ، ولا نغفل عنها طرفة عين ، فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافيا واصطلحوا عليها ـ وفق المخططات الاستعمارية ـ ) مقتطفات من كلام المودودي نقلها سيد في الظلال (3/1448-1451)
وهناك أهداف وحكم للجهاد كلها تابعة للهدف الرئيسي الذي تقدم آنفًا وتصب فيه منها على سبيل المثال:
1-رد اعتداء المعتدين على المسلمين:
قال تعالى (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) )190 البقرة .
وقال تعالى (( ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ، وهم بدأوكم أول مرة ، أتخشونهم ، فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) )13 التوبة .
وقال صلى الله عليه وسلم (( إنما بعثتك لأبتليك و أبتلي بك و أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما و يقظانا و إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال: استخرجهم كما استخرجوك و اغزهم نغزك و أنفق فسننفق عليك و ابعث جيشا نبعث خمسة مثله و قاتل بمن أطاعك من عصاك .. الحديث ) )رواه أحمد ومسلم .
وقد تقدم معنا في مقالة (حكم الجهاد وأنواعه) أن علماء الإسلام أجمعوا على أن رد اعتداء الكفار عن المسلمين فرض عين على كل قادر .
2-إزالة الفتنة عن الناس حتى يستمعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق ، وحتى يروا نظام الإسلام مطبقًا ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر ، وما فيه من سمو في شتى المجالات .. والفتنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين ليرتدوا عن دينهم ، وقد ندب الله المسلمين للجهاد لإنقاذ المستضعفين .. قال تعالى (( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا ) )75 النساء.
النوع الثاني: هو الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة فإن هذه من شأنها أنها تفتن المسلم عن دينه ، لذلك صارت إزالتها هي الهدف الرئيسي للجهاد كما سبق أن بينا أن أكثر السلف يفسرون الفتنة في قوله تعالى (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) )بالشرك ، ومن فسر الفتنة بما يمارسه الكفار لصد المسلم عن دينه من أنواع التعذيب فلا منافاة بين قوله وقول الفريق الأول ، فإزالة الشرك مقصودة ، ورفع الفتنة عن المسلمين وإنقاذ المستضعفين مقصود ، كذلك وقد دل على كلا الأمرين الكتاب والسنة وإجماع فقهاء الأمة كما تقدم.
ومن هذا الباب إخضاع أهل الجزية لأحكام الإسلام ومنعهم من المجاهرة بدينهم ومنعهم من التعامل بالربا والزنا ونحو ذلك لأن هذه الأوضاع من شأنها أنها تفتن المسلم عن دينه وقد أمر الله المسلمين بالجهاد حتى تزول الفتنة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل نجران أرسل إليهم من الصحابة من يقيم على البلاد حكم الإسلام غلا في أمور النصارى الخاصة بهم داخل كنائسهم ، واشترط عليهم ألا يتعاملوا بالربا فإن تعاملوا به ، فذمة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم بريئة.. انظر الخراج لأبي يوسف.
ومن إزالة الفتنة عن المسلمين فك أسراهم ، فإن من شأن الكفار أنهم يفتنون الأسرى عن دينهم ، لذلك قال الفقهاء إن فك الأسير فرض عين على المسلمين ، ويتعين عليهم الجهاد حتى يستنقذوا أسرى المسلمين جميعًا .. (انظر القوانين الفقهية لابن جزي المالكي)
فإزالة الفتنة عن المسلمين وإعزاز المسلمين وإذلال الكافرين كلها من مقصود الجهاد .
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رفع إليه ذمي نخس دابة امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها ، فانكشف بعض عورتها ، فأمر بصلبه في الموضع.تفسير القرطبي 8/83.