فهرس الكتاب
ولا يظن أحد أن هذا الحزب (( حزب الله ) )مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين يعظون الناس في المساجد ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا ..ليس الأمر كذلك وإنما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده ويكون شهيدًا على الناس ، ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم ، أن يقضي على منابع الشر والعدوان ، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة الذين تكبروا في أرض بغير الحق ، وجعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله ، ويستأصل شأفة ألوهيتهم ، ويقيم نظامًا للحكم والعمران صالحًا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير ، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم .
(( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) )
(( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) )
(( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) )
فتبين من ذلك كله أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر ، ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم ، لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة على قواعد العدوان والفساد في الأرض ، وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح ويؤتى أكله إلا بعد ما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطغاة المفسدين ويأخذه بأيديهم رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا وأضف إلى ذلك أن هذا الحزب بصرف النظر عما يرمي إليه من إصلاح العالم وبث الخير والفضيلة في أنحاء الأرض كافة لا يقدر أن يبقى ثابتًا على خطته متمسكًا بمنهاجه عاملًا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائمًا على أساس آخر سائرًا على منهاج غير منهاجه ، وذلك أن حزبًا مؤمنًا بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص ، لا يمكن أن يعيش متمسكًا بمبدئه عاملًا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادئ والغايات التي يؤمن بها ويريد السير على منهاجها فإن رجلًا يؤمن بمبادئ الشيوعية إن أراد أن يعيش في بريطانيا أو ألمانيا متمسكًا بمبدئه سائرًا في حياته على البرنامج الذي تقرره الشيوعية فلن يتمكن من ذلك أبدًا ، لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الناتسية تكون مهيمنة عليه قاهرة بما أوتيت من سلطان فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها أصلًا .
وكذلك المسلم إذا أراد أن يقضي حياته مستظلًا بنظام للحكم مناقض لمبادئ الإسلام الخالدة ويوده أن يبقى متمسكًا بمبادئ الإسلام سائرًا وفق مقتضاه في أعماله اليومية فلن يتسنى له ذلك ولا يمكنه أن ينجح في بغيته هذه أبدًا ، لأن القوانين التي يراها باطلة والضرائب التي يعتقدها غرمًا ونهبًا لأموال الناس ، والقضايا التي يحسبها جائرة عن الحق وافتئاتًا على العدل ، والنظم التي يعرف أنها مبعث الفساد في الأرض ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها ، ويرى فيها هلاكًا للأمة ، يجد كل هذه مهيمنة عليه ومسيطرة على بيئته وأهله وأولاده بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها ، وينجو بنفسه وأهله من أثرها ونفوذها فالذي يؤمن بعقيدة ونظام فردًا كان أو جماعة ، مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن يسعى سعيه في القضاء على نظم الحكم القائمة ، على فكرة غير فكرته ، ويبذل الجهد المستطاع في إقامة نظام الحكم مستند إلى الفكرة ، ويعتقد أن فيها سعادة للبشر ، لأنه لا يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق .
وإذا رأيت رجلًا لا يسعى وراء غايته أو يغفل عن هذا الواجب فعلم أنه كاذب
في دعواه ولما يدخل الإيمان في قلبه .
وبهذا المعنى ورد في التنزيل (( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، والله عليم بالمتقين ، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) )
وأي شهادة وأي حجة انصع من شهادة القرآن وحجته ففي هذه الآيات من سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذي لا يلبي نداء الجهاد ، ولا يجاهد بماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه وتوطيد نظام الحكم المبني على قواعده ، فهو في عداد الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .